فلسطين

السّبت 27 يونيو 2026 11:30 صباحًا - بتوقيت القدس

بترت ساقه وفقد وحيده.. المحرر جبريل الصفدي يروي فصول المعاناة بين سجون الاحتلال وإبادة غزة

في زاوية من منزله الذي طاله الدمار الجزئي بمدينة حمد شمال خان يونس، يجلس المحرر جبريل الصفدي (48 عاماً) على كرسي متحرك، حاملاً في جسده ندوب الأسر وفي قلبه غصة الفقد. لم تكن رحلة تحرره من سجون الاحتلال كما رسمها في مخيلته، إذ عاد ليجد نفسه بلا ساق وبلا ولد، في قصة تختزل فصول المعاناة الفلسطينية المزدوجة بين جدران الزنازين وآلة الحرب في الخارج.

بدأت فصول المأساة في الرابع من مارس 2024، حينما اعتقلته قوات الاحتلال من حاجز مدينة حمد، ليمضي في الأسر عاماً وثمانية أشهر وتسعة أيام. دخل الصفدي السجن بجسد سليم، لكنه سرعان ما واجه سياسة الإهمال الطبي الممنهج منذ اللحظات الأولى لاعتقاله، حيث بدأت آلام حادة تفتك بساقه اليمنى دون أن تجد صرخاته أي استجابة من السجانين.

يروي الصفدي تفاصيل قاسية عن أيام صراخه المتواصل داخل الزنزانة، مؤكداً أنه ظل لثمانية أيام ينادي الجنود لإنقاذه من الألم والنزيف، إلا أن الرد كان دائماً بالشتائم والإهانات. ومع تدهور حالته الصحية بشكل خطير، نُقل إلى المركز الطبي ليُوضع أمام خيارين أحلاهما مر؛ إما بتر الساق أو مواجهة الموت المحقق، ليُجبر على التوقيع على مستندات بلغة لا يجيدها.

انتهت رحلة الصفدي داخل السجن بفقدان طرفه، لكن الصدمة الأكبر كانت بانتظاره عند بوابة الحرية في أكتوبر 2025، حين علم باستشهاد ابنه الوحيد البالغ من العمر 22 عاماً. كان الابن هو المعيل الأساسي للأسرة في ظل غياب والده، وقد ارتقى في غارة إسرائيلية استهدفت المنطقة، ليتحول حلم اللقاء إلى فاجعة لا يمكن تجاوزها.

يصف المحرر الفلسطيني وقع خبر استشهاد نجله بأنه كان أقسى من كل صنوف التعذيب التي ذاقها في مراكز التحقيق، بما في ذلك معسكر 'سديه تيمان' وسجن 'عوفر'. ويؤكد أن عودته إلى منزله المتهالك لم تكن انتصاراً بقدر ما كانت مواجهة جديدة مع واقع مرير، حيث بات عاجزاً عن الحركة وإعالة زوجته وبناته الخمس في ظل ظروف إنسانية بالغة الصعوبة.

وعن الأوضاع داخل السجون، أفادت مصادر نقلاً عن الصفدي بأن المعتقلين يعيشون في بيئة مميتة تفتقر لأدنى المقومات البشرية، حيث يسود التجويع والضرب المبرح. وأشار إلى أن الاحتلال حول السجون إلى مراكز للتنكيل الممنهج، حيث يفقد الأسرى حياتهم أو أطرافهم نتيجة غياب الرعاية الطبية المتعمدة والاعتداءات الجسدية المتكررة التي لا تتوقف.

تعكس حالة الصفدي واقع آلاف الأسرى الفلسطينيين الذين يواجهون مصيراً مشابهاً في ظل صمت دولي مطبق تجاه الجرائم المرتكبة خلف القضبان. وتتصاعد الدعوات الحقوقية بضرورة فتح تحقيق دولي في حالات البتر والإهمال الطبي التي تعرض لها معتقلو قطاع غزة، وضمان حمايتهم وفقاً لاتفاقيات جنيف والقانون الدولي الإنساني.

اليوم، يحاول جبريل التأقلم مع حياته الجديدة فوق كرسيه المتحرك، محاطاً بدمار المدينة وذكريات ابنه الراحل، في مشهد يجسد صمود الإنسان الفلسطيني أمام محاولات الإبادة. وتظل قصته شاهداً حياً على بشاعة الانتهاكات التي تمارسها سلطات الاحتلال بحق الأسرى، والتي تتجاوز مجرد سلب الحرية إلى سلب الأجساد والأرواح.

دلالات

شارك برأيك

بترت ساقه وفقد وحيده.. المحرر جبريل الصفدي يروي فصول المعاناة بين سجون الاحتلال وإبادة غزة

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.