فلسطين

الأربعاء 24 يونيو 2026 12:30 مساءً - بتوقيت القدس

سوق 'التنسيقات' السوداء: رحلة الهروب من غزة بين المبالغ الخيالية والمخاطر الأمنية

تتصاعد التساؤلات في قطاع غزة حول آليات السفر المعقدة التي تمكن البعض من المغادرة بينما تظل الأبواب موصدة أمام الآلاف، في ظل منظومة يكتنفها الغموض والسرية. وتصطدم محاولات تتبع هذه المسارات بعقبات كبيرة، حيث تُدار معظم الإجراءات بعيداً عن الإعلانات الرسمية، مع فرض تعهدات شفهية على المغادرين بعدم الكشف عن الجهات التي سهلت خروجهم أو المبالغ المدفوعة.

ويقتصر الخروج من القطاع حالياً على مسارين رئيسيين هما معبر رفح الحدودي مع مصر، ومعبر كرم أبو سالم في الجنوب الشرقي، حيث تفرض سلطات الاحتلال الإسرائيلي سيطرة أمنية فعلية. وتتحكم إسرائيل في حركة المرور عبر منظومة التصاريح والموافقات الأمنية، مما يجعل السفر عملية محفوفة بالمخاطر حتى لمن يحملون وثائق رسمية أو موافقات مسبقة.

وشهدت الآونة الأخيرة تسجيل حالات اعتقال لمسافرين رغم حصولهم على تنسيقات أمنية، كان أبرزها اعتقال الطبيب محمود النجار في مطلع يونيو 2026 أثناء توجهه لاستكمال دراسته في إيطاليا. وأفادت مصادر عائلية بأن أخبار النجار انقطعت فور وصوله إلى معبر كرم أبو سالم، ليتبين لاحقاً أن قوات الاحتلال اقتادته إلى جهة مجهولة دون توضيح الأسباب.

وفي سياق متصل، برز اسم مؤسسة تدعى 'المجد أوروبا' كجهة نشطة على منصات التواصل الاجتماعي تدعي قدرتها على تأمين سفر الغزيين إلى دول أوروبية وكندا وأستراليا. وتطلب هذه المؤسسة رسوماً أولية للفحص الأمني تقدر بنحو 500 دولار، تليها مبالغ مالية متفاوتة تصل في بعض الأحيان إلى 7 آلاف دولار للشخص الواحد مقابل تأمين المغادرة.

ورغم ادعاءات هذه المؤسسة بالتنسيق مع جهات دولية، نفت مصادر في اللجنة الدولية للصليب الأحمر أي علاقة لها بهذه العمليات أو وجود وسطاء يمثلونها في ملف السفر. وأكدت المصادر أن اللجنة لا تشارك في أي أدوار تنسيقية خاصة بمغادرة الأفراد، محذرة من التعامل مع جهات غير رسمية تفرض مبالغ مالية مقابل وعود بالهجرة.

وتشير شهادات لمسافرين خاضوا هذه التجربة إلى أن الرحلات تتسم بالغموض الشديد، حيث لا يعرف المسافر وجهته النهائية إلا عند صعود الطائرة. وروت إحدى المسافرات أنها اضطرت لدفع 1500 دولار إضافية بعد رسوم الفحص الأمني لتتمكن من الوصول إلى جنوب أفريقيا، واصفة التجربة بأنها مجازفة كبرى في ظل انعدام الخيارات الأخرى.

أما في معبر رفح، فتتوزع مسارات السفر بين الإجلاءات الطبية الرسمية والكشوفات العالقة منذ مايو 2024، بالإضافة إلى 'تنسيقات المتنفذين'. ويخضع المسار الطبي لمعايير مشددة تشرف عليها وزارة الصحة، إلا أن الأرقام تظهر فجوة هائلة بين عدد المحتاجين للعلاج في الخارج وبين من سُمح لهم فعلياً بالمغادرة.

وكشفت مصادر مطلعة عن وجود سوق موازية للتنسيقات يديرها وسطاء وأفراد ذوو نفوذ، حيث تصل تكلفة السفر السريع خلال أيام قليلة إلى ما بين 30 و35 ألف دولار. وتعتمد هذه الشبكة على إيداع الأموال لدى مكاتب صرافة كطرف ثالث، ولا يتم تسليم المبالغ للوسطاء إلا بعد تأكيد خروج المسافر ووصوله إلى الجانب الآخر.

وفي حالات أخرى، عرض منسقون مبالغ خيالية وصلت إلى 50 ألف دولار للشخص البالغ مقابل ضمان المغادرة في غضون عشرة أيام فقط. وتبرر هذه الجهات الارتفاع الجنوني في الأسعار بتعدد الأطراف المشاركة في العملية، بما في ذلك جهات أمنية ومجموعات مسؤولة عن تأمين الطرق التي تمر عبرها قوافل المسافرين.

وتوضح بيانات هيئة المعابر أن حركة السفر استؤنفت بشكل جزئي في فبراير 2026، حيث غادر نحو 3516 شخصاً عبر معبر رفح حتى نهاية مارس من العام نفسه. وفي المقابل، عاد إلى القطاع خلال الفترة ذاتها نحو 2701 مواطن، مما يعكس حجم الضغط السكاني والرغبة المتزايدة في الخروج هرباً من الأوضاع المتردية.

ويعاني مئات الفلسطينيين الذين سددوا رسوماً لشركات تنسيق مصرية قبل إغلاق المعبر في مايو 2024 من وضع معلق، حيث يتم سحب أسمائهم ببطء شديد. وتفيد التقارير بأن نحو 50 مسافراً فقط من هذه القوائم القديمة يغادرون أسبوعياً، بينما لا تزال أموال البقية محتجزة لدى تلك الشركات دون جدول زمني واضح لرحيلهم.

وتؤكد وزارة الصحة في غزة أن عدد الحالات التي تحتاج للسفر العاجل يتجاوز 17 ألف حالة، بينما لم يغادر منهم سوى نسبة ضئيلة جداً لا تتجاوز 18%. هذا العجز في المسار الرسمي يدفع العائلات المقتدرة مالياً إلى اللجوء لخيارات التنسيق الخاص مهما بلغت تكلفتها، مما يخلق حالة من عدم المساواة في حق التنقل والحياة.

ويبقى السفر من غزة في عام 2026 رحلة نحو المجهول، تحكمها المصالح المالية والتعقيدات الأمنية التي يفرضها الاحتلال والوسطاء على حد سواء. وبينما ينجح البعض في النفاذ عبر هذه الثقوب الضيقة، يظل السواد الأعظم من سكان القطاع رهينة لإغلاق المعابر أو لأسعار تفوق قدرتهم الشرائية بعشرات الأضعاف.

إن استمرار هذه الحالة يضع المجتمع الدولي أمام مسؤولياته تجاه حرية الحركة للفلسطينيين، خاصة في ظل تحول السفر إلى تجارة مربحة لجهات متعددة. ومع غياب الحلول السياسية والممرات الآمنة المستدامة، تظل قصص السماسرة والاعتقالات على المعابر هي العنوان الأبرز لمعاناة سكان غزة في سعيهم للبحث عن الأمان.

دلالات

شارك برأيك

سوق 'التنسيقات' السوداء: رحلة الهروب من غزة بين المبالغ الخيالية والمخاطر الأمنية

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.