عربي ودولي

الثّلاثاء 23 يونيو 2026 5:15 مساءً - بتوقيت القدس

دلالات التصعيد الحوثي الجديد: هل تقترب اليمن من جولة صراع شاملة؟

رفعت جماعة 'أنصار الله' الحوثية من سقف وعيدها العسكري خلال الأيام الأخيرة، ملوحة بالتحرك ضد الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً والمملكة العربية السعودية. ويأتي هذا التصعيد في أعقاب خطابات لزعيم الجماعة، عبد الملك الحوثي، حذر فيها من نفاد صبر جماعته تجاه ما وصفه باستمرار الحصار والسيطرة على الثروات الوطنية.

يرى مراقبون أن هذا الخطاب المتصاعد يعكس رغبة الجماعة في استثمار المتغيرات الإقليمية، لا سيما بعد التفاهمات الدولية الأخيرة، لتحسين شروطها في أي مفاوضات مستقبلية. وتهدف الجماعة من خلال هذه الضغوط إلى انتزاع مكاسب في ملفات شائكة، أبرزها صرف الرواتب وتصدير النفط وتخفيف القيود على الموانئ.

أفادت مصادر مطلعة بأن لغة التهديد الحالية قد لا تترجم بالضرورة إلى مواجهة واسعة على الأرض، نظراً لاستمرار قنوات التواصل الدبلوماسي. وأشارت المصادر إلى أن وفوداً من الجماعة شاركت مؤخراً في لقاءات بمدينتي الرياض وعمان، مما يشير إلى وجود مسار سياسي موازٍ للخطاب التصعيدي الإعلامي.

في سياق متصل، أعلن مكتب المبعوث الأممي عن توافق مبدئي بين الحكومة اليمنية والمملكة وجماعة الحوثي على عقد اجتماع للجنة التنسيق العسكري في شهر يوليو المقبل. ويهدف هذا الاجتماع المرتقب إلى مناقشة الملفات الأمنية العالقة، وهو ما يعزز فرضية أن الأطراف لا تزال تفضل خيار الحوار على العودة لمربع الحرب الصفرية.

تدرك جماعة الحوثي أن العودة إلى الحرب الواسعة ستؤدي إلى نسف التفاهمات الهشة التي تحققت خلال السنوات الماضية، وهو ما يجعلها تتعامل بحذر مع خياراتها العسكرية. وبحسب تحليلات سياسية، فإن الجماعة تدير مواقفها وفق حسابات دقيقة تتجنب الانخراط في مواجهة مفتوحة قد لا تكون نتائجها مضمونة في الوقت الراهن.

يبرز الملف الاقتصادي كأحد أهم محركات التصعيد الحوثي، حيث تسعى الجماعة لتحقيق تدفقات مالية مباشرة لتغطية التزاماتها الداخلية. ومع ذلك، تصطدم هذه الطموحات بموقف أمريكي حازم يضع خطوطاً حمراء أمام أي ترتيبات مالية لا تكون جزءاً من تسوية سياسية شاملة وواضحة المعالم تحت إشراف دولي.

تشير مصادر إلى أن واشنطن لا تزال تعارض منح الحوثيين موارد إضافية خارج إطار الحل السياسي الشامل، خوفاً من تعزيز قدراتهم العسكرية بعيداً عن مسار السلام. هذا التعقيد الدولي يزيد من صعوبة التوصل إلى حلول سريعة لملف الرواتب والإيرادات النفطية، مما يدفع الجماعة لممارسة مزيد من الضغوط الميدانية.

على الجانب الآخر، لم يعد ميزان القوى العسكري يميل بالضرورة لصالح الحوثيين كما كان في سنوات الصراع الأولى، وفقاً لتقديرات عسكرية حديثة. فقد شهدت القوات التابعة للحكومة اليمنية عمليات إعادة تنظيم وتدريب واسعة، مما رفع من جاهزيتها القتالية وقدرتها على التصدي لأي مغامرات عسكرية محتملة.

أوضحت مصادر ميدانية أن الحكومة اليمنية عززت من استعداداتها الأمنية والعسكرية، مستفيدة من خبرات متراكمة وتنسيق أعلى بين فصائلها المختلفة. هذا التطور الميداني يجعل تكلفة أي تصعيد عسكري يقوم به الحوثيون باهظة جداً، وقد تؤدي إلى نتائج عكسية غير محسوبة للجماعة وحلفائها.

بالنسبة للمملكة العربية السعودية، فقد عملت خلال السنوات الأخيرة على تعزيز منظوماتها الدفاعية وحماية منشآتها الحيوية بشكل أكثر فاعلية. كما أن التقارب السعودي الإيراني الأخير وفر هامشاً سياسياً للمناورة، مما يقلل من احتمالات الانفجار العسكري الكبير في المنطقة ويشجع على الحلول الدبلوماسية.

يرى محللون أن تصاعد الخطاب الحوثي هو رسالة متعددة الاتجاهات، تستهدف السعودية بالدرجة الأولى للضغط من أجل استكمال التفاهمات السابقة. الجماعة تحاول القول إنها لا تزال لاعباً رئيسياً في أمن البحر الأحمر والمنطقة، ولا يمكن تجاوز رؤيتها في أي ترتيبات إقليمية أو دولية قادمة.

داخلياً، تعاني القوى المناهضة للحوثيين من تباين في الأولويات، وهو ما تحاول الجماعة استغلاله عبر توحيد قرارها السياسي والعسكري تحت قيادة واحدة. ومع ذلك، فإن الحاجة المستمرة للموارد والتمويل تظل هي المحرك الأساسي لتحركات الجماعة، سواء عبر التفاوض أو عبر التلويح بالقوة العسكرية.

في حال لجوء الحوثيين لعمليات عسكرية محدودة، فمن المرجح أن تكون في إطار 'رسائل خشنة' تهدف لفتح جبهات ضغط سياسي لا أكثر. استبعاد سيناريو الحرب الشاملة يظل هو المرجح لدى معظم المراقبين، نظراً لأن جميع الأطراف تدرك أن كلفة المواجهة اليوم أعلى بكثير مما كانت عليه في السابق.

ختاماً، يبدو أن اليمن يعيش مرحلة 'عض أصابع' بين الأطراف المتصارعة، حيث يستخدم كل طرف أوراقه المتاحة لتحسين موقعه التفاوضي. ويبقى الرهان على مدى نجاح الجهود الدولية والإقليمية في تحويل هذه التهديدات إلى فرص لاستكمال مسار السلام المتعثر وإنهاء معاناة الشعب اليمني.

دلالات

شارك برأيك

دلالات التصعيد الحوثي الجديد: هل تقترب اليمن من جولة صراع شاملة؟

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.