GENERAL

الثّلاثاء 23 يونيو 2026 12:16 صباحًا - بتوقيت القدس

المؤبد لخاطفة الطفلة ندى في مصر: نهاية مأساة استمرت 12 عاماً من الاحتجاز والتسول

أسدلت محكمة جنايات القاهرة الستار على واحدة من أكثر القضايا الإنسانية تعقيداً في الشارع المصري، بإصدار حكم بالسجن المؤبد على سيدة أدينت باختطاف طفلة واحتجازها لأكثر من عقد من الزمان. وجاء الحكم بعد ثبوت تورط المتهمة في حرمان الطفلة 'ندى' من ذويها منذ عام 2014، واستغلالها طوال تلك السنوات في أعمال غير قانونية.

وخلال جلسات المحاكمة، حاولت المتهمة التنصل من الجريمة عبر ادعاءات وصفتها النيابة بالواهية، حيث زعمت أنها عثرت على الطفلة تائهة وقررت تربيتها خوفاً عليها من دور الرعاية. إلا أن التحقيقات كشفت زيف هذه الرواية، مؤكدة أن الهدف الحقيقي كان استغلال الطفلة في استدرار عطف المواطنين وجمع المساعدات المالية.

وتعود جذور المأساة إلى عام 2014، حين اختفت ندى في ظروف غامضة وهي لم تتجاوز السابعة من عمرها، مما أطلق رحلة بحث مريرة لأسرتها استمرت 12 عاماً. ولم تتوقف الأسرة عن المحاولة حتى تحولت القضية إلى تريند عبر منصات التواصل الاجتماعي، مما دفع الأجهزة الأمنية لتكثيف التحريات التي قادت للمتهمة.

كشفت التحريات الأمنية أن المتهمة، التي تعمل عاملة نظافة في منطقة الوايلي، مارست أساليب احترافية في إخفاء هوية الطفلة عبر تزوير مستندات رسمية بالكامل. وقامت المتهمة بنسب الطفلة لزوجها، بل واستخرجت شهادة وفاة مزورة له لتظهر الفتاة أمام الجمعيات الخيرية بصفتها يتيمة الأبوين وتحصل على أموال التبرعات.

وفي شهادة مؤثرة أمام جهات التحقيق، روت ندى التي تبلغ الآن 19 عاماً، تفاصيل سنوات العذاب التي قضتها تحت رحمة خاطفتها. وأوضحت الفتاة أنها كانت تعتقد طوال الوقت أن المتهمة هي زوجة والدها المتوفى، بناءً على الأكاذيب التي كانت تُلقن لها يومياً منذ صغرها لمنعها من التساؤل عن أصلها.

وتضمنت شهادة الضحية تفاصيل صادمة حول تعرضها للتعذيب الجسدي والنفسي، حيث كانت المتهمة تعمد إلى تقييدها بالحبال وتكميم فمها وتغطية عينيها عند خروجها من المنزل. وكانت هذه الإجراءات القاسية تهدف إلى ضمان عدم تواصل الفتاة مع الجيران أو محاولتها الهروب من الشقة التي تحولت إلى سجن لها.

بدأت خيوط الجريمة تتكشف عندما بلغت ندى سن استخراج بطاقة الهوية الوطنية، حيث اكتشفت وجود تضارب صارخ في البيانات الرسمية المقدمة لها. هذا الشك دفعها للبحث عن الحقيقة، وأبدت شجاعة كبيرة في طلب إجراء تحليل البصمة الوراثية (DNA) للتأكد من نسبها، وهو ما كان المفتاح الرئيسي لفك لغز اختفائها.

أمر الإحالة الصادر عن النيابة العامة وجه للمتهمة 'عايدة. أ' تهم الخطف بالتحايل، واحتجاز شخص دون وجه حق، والتعذيب البدني، بالإضافة إلى التزوير في محررات رسمية. وأكدت النيابة أن المتهمة استغلت براءة الطفلة وضعفها لارتكاب جرائمها التي دمرت مستقبل الفتاة وحرمتها من حقها الأساسي في التعليم والحياة الطبيعية.

وأشارت التحقيقات إلى أن المتهمة كانت توهم الطفلة بأن والديها الحقيقيين توفيا في حادث سير مروع، لقطع أي أمل لديها في العودة إليهما. واستخدمت هذا الضغط النفسي لضمان ولاء الطفلة لها واستمرارها في مساعدتها في أعمال التسول التي كانت تدر مبالغ مالية كبيرة على المتهمة.

وبعد مطابقة نتائج التحاليل الوراثية، تمكنت السلطات من الوصول إلى والدي ندى الحقيقيين الذين يقطنون في منطقة الظاهر بالقاهرة. وكانت اللحظات الأولى للقاء الابنة بوالديها مشهداً إنسانياً مهيباً، حيث لم يصدق الأبوان أن طفلتهما التي غابت 12 عاماً عادت إليهما شابة في مقتبل العمر.

وشددت المحكمة في حيثيات حكمها على أن الجريمة تمثل انتهاكاً صارخاً لكل القيم الإنسانية والقوانين الدولية لحماية الطفل. واعتبرت أن السجن المؤبد هو القصاص العادل لسيدة نزعت من قلبها الرحمة وقامت بـ 'بيع' طفولة بريئة مقابل حفنة من الأموال التي جمعتها من أعمال التسول.

القضية أثارت موجة من الغضب والمطالبات بتشديد الرقابة على إجراءات استخراج الأوراق الرسمية لمنع تكرار مثل هذه الجرائم. كما أشاد قانونيون بدور التكنولوجيا الحديثة وتحاليل الـ DNA في كشف الجرائم القديمة التي كان يُعتقد أنها قُيدت ضد مجهول، مما يعيد الأمل للكثير من الأسر المفقود أبناؤها.

وتعيش ندى حالياً مرحلة إعادة تأهيل نفسي واجتماعي لمساعدتها على الانخراط في المجتمع وتعويض ما فاتها من سنوات التعليم والحياة الأسرية. وتحظى قضيتها بمتابعة دقيقة من منظمات حقوق المرأة والطفل في مصر لضمان حصولها على الدعم اللازم لتجاوز آثار الصدمة الطويلة التي عاشتها.

وبهذا الحكم، يُغلق ملف قضية 'ندى' قضائياً، لكنها تظل درساً قاسياً حول مخاطر اختطاف الأطفال وأهمية الوعي المجتمعي في مراقبة حالات الاشتباه. وقد أثبتت العدالة المصرية أنها لا تسقط بالتقادم، وأن حقوق الضحايا ستعود مهما طال زمن الاحتجاز أو تعقدت أساليب التزوير.

دلالات

شارك برأيك

المؤبد لخاطفة الطفلة ندى في مصر: نهاية مأساة استمرت 12 عاماً من الاحتجاز والتسول

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.