تتجه الأنظار نحو تونس مع اقتراب انطلاق الدورة الستين لمهرجان قرطاج الدولي، وهي محطة تاريخية تمثل مرور ستة عقود على تأسيس أحد أعرق المحافل الفنية في الوطن العربي وأفريقيا. ويعد هذا المهرجان منصة عالمية استضافت على مر السنين كبار المبدعين في مجالات الغناء والموسيقى والمسرح.
تحمل هذه الدورة رمزية خاصة، حيث تسعى الإدارة المنظمة إلى جعلها واجهة ثقافية تعكس ريادة تونس الفنية وجسراً للتواصل الحضاري. وتشير التقارير الأولية إلى برنامج فني دسم يجمع بين عمالقة الفن العربي والجيل الجديد من النجوم المعاصرين لتلبية تطلعات الجمهور الواسع.
من المقرر أن يفتتح الفنان التونسي صابر الرباعي فعاليات هذه النسخة الاستثنائية، في خطوة تؤكد على مركزية الأغنية التونسية في تاريخ المهرجان. ويأتي اختيار الرباعي ليعطي دفعة معنوية للاحتفالية التي تراهن على استعادة زخمها الجماهيري المعهود.
تتضمن قائمة النجوم المتداولة أسماءً وازنة في سماء الفن العربي، حيث تأكدت مشاركة نجم الراي الجزائري الشاب خالد، الذي ارتبط اسمه طويلاً بالنجاحات الكبرى في قرطاج. كما ينضم إليه الفنان اللبناني وائل جسار، المعروف بقاعدته الجماهيرية العريضة في تونس والمغرب العربي.
تتحدث المصادر عن مفاوضات متقدمة لحضور الفنانة السورية الكبيرة ميادة الحناوي، إلى جانب أنباء عن مشاركة محتملة للنجمتين أنغام وأصالة نصري. ورغم عدم صدور الإعلان الرسمي النهائي، إلا أن هذه الأسماء تثير حماساً كبيراً لدى المتابعين والنقاد الفنيين.
التسريبات الفنية لم تتوقف عند هذا الحد، بل شملت إمكانية ظهور فنان العرب محمد عبده على مسرح قرطاج الأثري، بالإضافة إلى الفنان المصري تامر عاشور. ويهدف هذا التنوع إلى استقطاب مختلف الأذواق الموسيقية، خاصة مع الشعبية المتزايدة للأغاني الرومانسية الحديثة.
على الصعيد العالمي، يبرز اسم المنتج والدي جي الفرنسي 'بوتشار' كأحد المشاركين المحتملين لتقديم نمط موسيقي معاصر يتماشى مع التوجهات الدولية. وتسعى إدارة المهرجان من خلال هذه الاستضافات إلى كسر القوالب التقليدية وتقديم تجربة فنية متكاملة.
مهرجان قرطاج يمثل فرصة لتجاوز إخفاقات الموسم الماضي واستعادة بريق الواجهة الثقافية التونسية.
أما مسك الختام، فتشير المعطيات إلى أنه سيكون بتوقيع الفنانة اللبنانية ماجدة الرومي، التي طالما كانت حفلاتها في قرطاج أحداثاً استثنائية. وينتظر الجمهور سهرة ختامية تليق بشعار 'ستين عاماً من الإبداع'، لتتوج مسيرة المهرجان الطويلة في خدمة الثقافة.
يأتي هذا الاستعداد المكثف في محاولة لتجاوز الانتقادات التي طالت الدورة التاسعة والخمسين في العام الماضي، والتي وُصفت بأنها دون المستوى المأمول. فقد واجهت الإدارة السابقة اتهامات بضعف البرمجة وغياب الأسماء الفنية الثقيلة التي تمنح المهرجان هيبته الدولية.
لم تقتصر التحديات السابقة على الجانب الفني فحسب، بل شملت مشكلات تنظيمية ولوجستية تتعلق بإدارة الحشود وعمليات الدخول والخروج من المسرح الأثري. ويسعى القائمون على الدورة الستين إلى تلافي هذه الثغرات لضمان راحة آلاف الزوار الذين يتوافدون سنوياً.
تجري هذه التحضيرات في ظل سياق إقليمي ودولي معقد للغاية، حيث لا يمكن فصل الفن عن الواقع السياسي والاجتماعي المحيط. وتلقي حرب الإبادة الإسرائيلية المستمرة على قطاع غزة بظلالها القاتمة على المشهد الثقافي العربي بشكل عام، مما يفرض نوعاً من التضامن في المحتوى الفني.
لقد فرضت القضية الفلسطينية حضورها القوي في كافة الفعاليات الثقافية الأخيرة، ومن المتوقع أن يشهد مسرح قرطاج رسائل تضامنية واضحة مع الشعب الفلسطيني. فالمهرجان كان دائماً منبراً للقضايا العربية العادلة، ولن تكون الدورة الستون استثناءً في هذا المسار.
تتزامن الاحتفالية أيضاً مع تصاعد التوترات العسكرية في المنطقة والمخاوف من اتساع رقعة الصراع الإقليمي، مما يضع المهرجان أمام تحدي الموازنة بين الاحتفال والواقع. ويراقب المتابعون كيف سيتعامل المهرجان مع هذه التحولات السياسية والاقتصادية التي تؤثر على استقرار المنطقة.
في نهاية المطاف، يظل مهرجان قرطاج الدولي رمزاً للصمود الثقافي في وجه الأزمات، ومساحة للجمال وسط ركام الحروب. ويترقب الجمهور التونسي والعربي الإعلان الرسمي عن البرنامج الكامل، آملين أن تكون هذه الدورة انطلاقة جديدة نحو ستين عاماً أخرى من التألق.





شارك برأيك
مهرجان قرطاج الدولي يطفئ شمعته الستين: احتفاء فني في ظل تحديات إقليمية