عربي ودولي

الخميس 04 يونيو 2026 12:24 مساءً - بتوقيت القدس

مجزرة مروحين 2006: عندما استهدفت صواريخ الاحتلال الرايات البيضاء وأجساد الأطفال

تظل مجزرة بلدة مروحين الحدودية، التي وقعت في الخامس عشر من يوليو عام 2006، شاهداً حياً على دموية الاحتلال الإسرائيلي خلال حرب تموز. ففي ذلك اليوم، تحول طريق النزوح القسري من القرية باتجاه مدينة صور إلى ساحة إعدام جماعي لمدنيين لم يشفع لهم رفع الرايات البيضاء فوق شاحنتهم البسيطة.

بدأت المأساة حينما أصدر جيش الاحتلال أوامر صارمة لأهالي مروحين بإخلاء بلدتهم فوراً تحت تهديد القصف المكثف. وأمام هذا التهديد، حاول السكان في البداية الاحتماء بمركز تابع لقوات الأمم المتحدة، إلا أن الظروف حالت دون بقائهم هناك، مما دفعهم للمخاطرة وسلوك طريق النزوح الوعرة.

استقل النازحون شاحنة 'بيك آب' تعود للمواطن الملقب بـ 'أبو كامل'، وكان الأطفال يملأون خلفية الشاحنة بوضوح تام لأي طائرة استطلاع. ورغم تأكيدات الشهود على رفع رايات بيضاء ترمز لهويتهم المدنية، إلا أن صواريخ الاحتلال لم تتردد في تمزيق أجساد من كانوا على متنها عند مفترق بلدة طيرحرفا.

أسفر هذا الهجوم الغادر عن ارتكاب مجزرة مروعة راح ضحيتها 23 شهيداً مدنياً، من بينهم 14 طفلاً و7 نساء، وفقاً لتوثيق منظمات حقوقية دولية. وقد أبيدت عائلات بأكملها في هذا الاستهداف، حيث فقدت عائلة العبدالله 13 من أفرادها، بينما استشهد 6 من عائلة غنام في لحظات معدودة.

تقع قرية مروحين في قضاء صور فوق جبل بلاط المطل على شمال فلسطين المحتلة، ويقطنها نحو 3000 نسمة من عشيرة 'القليطات'. وتعتبر هذه القرية من النقاط الحدودية الحساسة التي واجهت اعتداءات متكررة، لكن مجزرة عام 2006 ظلت الجرح الأعمق في ذاكرة سكانها والجنوب اللبناني عامة.

يروي الناجون تفاصيل مؤلمة عن تلك اللحظات، حيث تعطل محرك الشاحنة قبيل الاستهداف بدقائق، مما جعلها هدفاً سهلاً للحقد الإسرائيلي. وبينما نجت الحاجة 'أم كامل' لأنها فضلت البقاء في قرية مجاورة، فقد زوجها وأحفاده الذين قدموا لقضاء عطلة الصيف في قريتهم الوادعة.

لم تكتفِ قوات الاحتلال بالقصف الأولي، بل منعت فرق الإنقاذ والدفاع المدني من الوصول إلى الموقع لساعات طويلة عبر استهداف كل ما يتحرك. وظلت جثامين الشهداء في العراء لفترة قبل أن يتم نقلها ودفنها مؤقتاً في مقبرة جماعية بمدينة صور، لتعود لاحقاً إلى تراب مروحين بعد وقف العدوان.

تأتي هذه المجزرة ضمن سياق حرب تموز التي اندلعت عقب عملية أسر جنديين إسرائيليين من قبل حزب الله في 12 يوليو 2006. وقد شنت إسرائيل حينها عدواناً شاملاً استمر 33 يوماً، خلف دماراً هائلاً في البنية التحتية اللبنانية وأدى لاستشهاد نحو 900 مواطن وإصابة الآلاف.

تشير التقارير التاريخية إلى أن العدوان الإسرائيلي في ذلك العام لم يكن مجرد رد فعل، بل كان عملية عسكرية مبيتة تهدف لكسر إرادة اللبنانيين. ومع ذلك، خلصت لجنة 'فينوغراد' الإسرائيلية لاحقاً إلى أن الحرب شكلت إخفاقاً استراتيجياً كبيراً للمؤسسة العسكرية والسياسية في تل أبيب.

انتهت العمليات القتالية في 14 أغسطس 2006 عقب صدور القرار الأممي رقم 1701، الذي نص على وقف الأعمال العدائية وتوسيع مهام قوات 'اليونيفيل'. ورغم صمت المدافع، ظلت قصص مثل مجزرة مروحين تذكر العالم بانتهاكات الاحتلال الصارخة للقانون الدولي الإنساني.

إن توثيق هذه المجازر في ملفات 'ذاكرة لا تسقط' يهدف إلى الحفاظ على الرواية الفلسطينية واللبنانية في وجه محاولات الطمس. فالمجزرة في مروحين ليست مجرد رقم في سجلات الحرب، بل هي حكاية أطفال ذبحوا وهم يحلمون بالعودة إلى بيوتهم بسلام.

تتجاور مروحين مع قرى الزلوطية وشيحين وراميا، وهي تشكل جزءاً من القطاع الغربي الذي شهد أعنف المواجهات والاعتداءات. وتظل علاقة أهالي هذه القرى بالأرض وثيقة، رغم قربهم من المستوطنات الإسرائيلية المقامة على أراضٍ لبنانية وفلسطينية مسلوبة مثل 'زرعيت'.

في كل عام، يستذكر أهالي الجنوب ضحاياهم بالدموع والدعوات، مؤكدين أن الحق في العدالة لا يسقط بالتقادم. وتظل صور تشييع شهداء مروحين، التي غصت بها شوارع صور والقرية لاحقاً، أيقونة للصمود اللبناني في وجه آلة القتل التي لا تميز بين طفل ومقاتل.

إن مروحين اليوم، بكل ما تحمله من ألم وأمل، تبقى شاهداً على مرحلة فارقة من تاريخ الصراع العربي الإسرائيلي. وهي تؤكد من خلال تضحيات أبنائها أن الرايات البيضاء قد تُرفع طلباً للسلام، لكنها في عرف الاحتلال ليست سوى إشارة لتحديد أهداف جديدة للقصف.

دلالات

شارك برأيك

مجزرة مروحين 2006: عندما استهدفت صواريخ الاحتلال الرايات البيضاء وأجساد الأطفال

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.