تواجه دولة الاحتلال في الوقت الراهن تحديات قانونية وقضائية غير مسبوقة على الساحة الدولية، تتزامن مع الضغوط الأمنية والعسكرية الميدانية. وتتصاعد الاتهامات الموجهة للاحتلال بارتكاب جرائم حرب وإبادة جماعية ضد الفلسطينيين، مما يضع المنظومة القانونية الإسرائيلية في حالة استنفار قصوى لمواجهة هذه الملاحقات.
اعتبر المؤرخ العسكري بالجامعة العبرية، داني أورباخ أن التهديد القضائي لا يقل خطورة عن المواجهات العسكرية. وأشار في تحليل نشرته مصادر إعلامية إلى أن أعداء إسرائيل يستخدمون القانون الجنائي الدولي كأداة هجومية فعالة، محذراً من تراكم الادعاءات التي قد تؤدي في النهاية إلى إدانة شاملة للاحتلال.
انتقد أورباخ الهيكلية التنظيمية للمحاكم الدولية، مدعياً أنها تفتقر إلى المعايير المهنية المعمول بها في المحاكم الوطنية. وزعم أن هذه المؤسسات القضائية لا تتضمن آليات واضحة للتعامل مع تضارب المصالح، مما يجعل قراراتها عرضة للتسييس والتحيز المسبق ضد إسرائيل على حد وصفه.
ضرب الأكاديمي الإسرائيلي مثالاً برئاسة قاضٍ لبناني لمحكمة العدل الدولية، مشيراً إلى سجله السياسي كممثل لبلاده في الأمم المتحدة ورئيس سابق للوزراء. واعتبر أن وجود قضاة من دول تصنف بأنها 'معادية' يضعف نزاهة المحاكمات ويجعل إسرائيل في موقف الدفاع أمام خصوم سياسيين بعباءة قضائية.
تتركز المعركة القانونية الحالية حول 'النية الخاصة' في جريمة الإبادة الجماعية، وهو المبدأ الذي أقرته اتفاقية عام 1948. ويحاول الاحتلال التمسك بالتفسيرات التقليدية التي تتطلب وثائق صريحة تثبت النية، بينما تسعى أطراف دولية لاستنتاج هذه النية من الأنماط السلوكية العسكرية في قطاع غزة.
تقود جنوب أفريقيا، مدعومة من دول مثل أيسلندا وهولندا، حراكاً قانونياً لتخفيض عتبة الإثبات المطلوبة لإدانة الدول بالإبادة الجماعية. ويهدف هذا التوجه إلى تغيير المذهب القانوني المحيط بهذه الجريمة، بما يضمن إدانة الاحتلال حتى في ظل غياب الأدلة المباشرة على النوايا المبيتة.
من جانبها، تسعى منظمة التعاون الإسلامي لتمهيد الطريق أمام تعديل التعريفات القانونية الدولية المتعلقة بجرائم الحرب. ويرى مراقبون أن هذا التحرك يهدف إلى سد الثغرات التي يتسلل منها الدفاع الإسرائيلي، وتحويل السلوك الميداني الممنهج إلى دليل قاطع على نية الإبادة.
المحاكم الدولية ليست محاكم حقيقية، فهي تفتقر لآليات منع تضارب المصالح وتسمح بتحويل الشائعات إلى أدلة قانونية.
رغم الانتقادات الإسرائيلية للمحاكم الدولية، إلا أن التوجه العام داخل مؤسسات الاحتلال يميل نحو المشاركة في هذه المحاكمات. ويرى قانونيون إسرائيليون أن خوض المعركة القانونية قد يثمر عن آراء أقلية من القضاة يمكن استغلالها مستقبلاً لتقويض الإجماع الدولي ضد إسرائيل.
أعدت سلطات الاحتلال ملفاً دفاعياً ضخماً يتجاوز ألف صفحة، مدعوماً بآلاف الوثائق الأصلية والتقارير الميدانية. ويهدف هذا الملف إلى تقديم رواية مضادة تدعي أن العمليات العسكرية في غزة تستهدف القضاء على حماس وليس المدنيين، في محاولة لنفي تهمة الإبادة الجماعية.
تأتي هذه الملاحقات القانونية في وقت تمر فيه 78 عاماً على النكبة الفلسطينية، حيث سيطر الاحتلال منذ عام 1948 على 78% من الأرض. وقد شهدت هذه العقود ارتكاب عشرات المجازر وتهجير مئات الآلاف من الفلسطينيين، مما يعزز الحجج القانونية التي تتهم إسرائيل بتبني سياسة إبادة طويلة الأمد.
تشير الإحصائيات المحدثة لعام 2026 إلى أن عدد اللاجئين الفلسطينيين تجاوز 7 ملايين لاجئ، بينما استشهد أكثر من 300 ألف فلسطيني منذ النكبة. هذه الأرقام الموثقة تشكل مادة دسمة للادعاء الدولي الذي يسعى لإثبات أن السلوك الإسرائيلي يهدف لتدمير الوجود الفلسطيني بشكل كلي أو جزئي.
يعيش في فلسطين المحتلة حالياً نحو 7.2 مليون يهودي، يتوزعون بين أصول أشكنازية وسفارديم، في ظل نظام يواجه اتهامات متزايدة بالفصل العنصري. وتعتبر المحاكم الدولية أن استمرار سياسات الاستيطان والتهجير القسري يمثل امتداداً لجرائم الحرب التي يجب المحاسبة عليها.
يرى داني أورباخ أن الصراع القانوني القادم سيكون الأكثر شراسة في تاريخ إسرائيل، حيث تتحول الوثائق والمواد الخام إلى أسلحة في ساحات القضاء. ويحذر من أن تغيير القواعد القانونية الدولية قد يؤدي إلى عزل إسرائيل سياسياً واقتصادياً عبر أحكام قضائية ملزمة.
يبقى التساؤل قائماً حول قدرة المنظومة الدولية على فرض قراراتها في ظل غياب آليات التنفيذ القسرية ضد القوى المدعومة دولياً. ومع ذلك، فإن مجرد استمرار المحاكمات يمثل انتصاراً معنوياً وقانونياً للضحايا الفلسطينيين الذين يطالبون بالعدالة منذ أكثر من سبعة عقود.





شارك برأيك
مخاطر قانونية تلاحق الاحتلال: صراع دولي لتعديل تعريف 'الإبادة الجماعية' وإدانة إسرائيل