تدخل المواجهة الأمريكية الإسرائيلية مع إيران شهرها الثالث في ظل ضبابية كثيفة تلف النهايات المتوقعة لهذا الصراع. وتبرز حالة 'اللاحرب واللاسلم' كخيار مريح مؤقتاً لمن عانى ويلات القتال، إلا أنها تحمل في طياتها مخاطر استراتيجية لمن يقرأ ما وراء اللحظة الراهنة.
تشير القراءات التحليلية إلى أن هذه الحالة من الجمود قد تستمر لفترة غير معلومة، حيث تُعتبر الهدنة الحالية مجرد محطة عابرة. فالحرب لم تتوقف فعلياً، بل اتخذت أشكالاً وأوجهاً متعددة تتجاوز الصواريخ والمسيّرات لتشمل أبعاداً اقتصادية وسياسية معقدة.
يمكن توصيف المرحلة الحالية بأنها مرحلة تراجع عن الحرب الشاملة مع غياب الإرادة لبدء مسار سلام حقيقي. ويبدو أن الأطراف المتصارعة لم تتجاوز بعد عقدة القوة، فهي لا ترغب في العودة للصدام المسلح لكنها في الوقت ذاته لا تستعجل العودة لطاولة المفاوضات.
هذا الوضع الرمادي قد يكون أكثر سوءاً من حرب حقيقية قصيرة الأمد، خاصة وأن بعض الصراعات لا يُراد لها الحسم السريع. فهناك حروب تخدم مصالح أطرافها رغم تكلفتها العالية، وتلبي طموحات قوى دولية تكتفي بالمراقبة عن بعد وتحقيق المكاسب الجيوسياسية.
على مدار عقود، اتسمت العلاقة بين طهران من جهة وواشنطن وتل أبيب من جهة أخرى بأنها حرب مستمرة بلا إعلان رسمي. وقد شملت هذه المواجهة عقوبات اقتصادية خانقة واشتباكات غير مباشرة، مع توظيف مكثف للجماعات المسلحة والضربات الهجينة والاغتيالات النوعية.
التزم كل طرف بحدود معينة من التصعيد لسنوات طويلة، حيث كان العنوان الأبرز هو تجنب الحرب الدامية مع استمرار الضغوط القصوى. وشكلت عمليات اغتيال العلماء الإيرانيين واستهداف قادة عسكريين بارزين اختبارات قاسية لقدرة التحمل دون الانزلاق لمواجهة شاملة.
نحن في منطق يمكن وصفه بـ 'توقفت الحرب لكنها لم تنته'، حيث تراجع الطرفان عن المواجهة الشاملة دون الانخراط في مسار سلام جاد.
إلا أن أحداث حزيران 2025 كشرت عن أنيابها وكسرت دورة الحرب الصامتة التي سادت طويلاً. فقد سعى بنيامين نتنياهو لتعزيز رصيده السياسي بانتصارات جديدة، بينما رغب دونالد ترامب في تحقيق مجد شخصي يرضي تطلعات القوى الداعمة له في الولايات المتحدة.
أدت هذه الطموحات إلى اندلاع حرب الاثني عشر يوماً، والتي مهدت بدورها لحرب الأسابيع السبعة الأخيرة التي توقفت دون حسم نهائي. واليوم يتكرر المشهد على أنقاض تلك المواجهات، حيث يرفض الجميع إعلان نهاية رسمية للحرب حفاظاً على ماء الوجه والادعاءات بالنصر.
يملك كل طرف أوراق ضغط تجعله مقتنعاً بقدرته على كسر إرادة الآخر في نهاية المطاف. فبينما تراهن إيران على التبعات الاقتصادية العالمية التي لن تتحملها الإدارة الأمريكية، تعتقد واشنطن أن طهران باتت على حافة الانهيار تحت وطأة الحصار البحري والاقتصادي.
الحقيقة المرة أن العالم بأسره سيدفع ثمن هذا التعنت، حيث ستطال الفاتورة الباهظة الدول القريبة والبعيدة على حد سواء. وتتميز هذه الحرب بأن الولايات المتحدة تخوضها بكل ثقلها بالوكالة عن إسرائيل، وبأهداف تبدو غامضة ومتغيرة بشكل مستمر.
إن الخطورة الحقيقية تكمن في أن هذه المواجهة ليست مجرد صدام بين دول، بل هي فصل من فصول إعادة تشكيل منطقة الشرق الأوسط. هذه العملية الكبرى قد تستغرق عقوداً من الزمن قبل أن تستقر على خرائط وتحالفات جديدة كلياً تنهي الحقبة الحالية.
في نهاية المطاف، نحن أمام صراع طويل الأمد يهدف لتغيير موازين القوى الدولية وطرق إدارة العلاقات في المنطقة. وستبقى الهدنة الحالية مجرد استراحة محارب في لعبة كبرى تهدف لإعادة رسم ملامح العالم، مما يجعل القادم أكثر تعقيداً مما مضى.





شارك برأيك
معضلة الهدنة والحرب: هل دخل الشرق الأوسط نفق الصراع المستدام؟