تشهد الساحة السياسية والتشريعية في مصر حالة من الترقب والجدل مع تسارع الخطوات الحكومية للدفع بتعديلات جديدة على قانون الأحوال الشخصية. وتأتي هذه التحركات في وقت ينشغل فيه الرأي العام المحلي والدولي بملفات إقليمية ساخنة، مما أثار تساؤلات حول توقيت وطريقة طرح هذه التعديلات التي تمس صلب البناء الاجتماعي المصري.
ويرى مراقبون أن السلطات استغلت حوادث اجتماعية مأساوية، مثل واقعة انتحار سيدة الإسكندرية، لتمرير حزمة من التعديلات التي كانت جاهزة مسبقاً. وقد ترافق ذلك مع قرارات قضائية مشددة، منها منع المتهربين من دفع النفقة من السفر، في إشارة واضحة لتوجه الدولة نحو تشديد الرقابة القانونية على العلاقات الأسرية.
وتحيط حالة من السرية المريبة بمشروعات القوانين المقدمة، سواء تلك المتعلقة بالمسلمين أو القانون الموحد للمسيحيين. هذه السرية دفعت أطرافاً مجتمعية وكنسية للتعبير عن قلقها، خاصة في ظل غياب المسودات الرسمية عن طاولة النقاش العام والاكتفاء بتسريبات غير مؤكدة تثير البلبلة أكثر مما تقدم إجابات.
وفيما يخص قانون الأحوال الشخصية للمسيحيين، تبرز أزمة الزواج الثاني كواحدة من أعقد الملفات التي تواجه الكنيسة الأرثوذكسية. فمع وجود أكثر من 300 ألف فرد عالقين بسبب رفض الكنيسة لأحكام التطليق المدنية المستندة للائحة 1938، يظل الأمل معقوداً على قانون جديد ينهي هذا الانسداد التاريخي.
لكن التوافق بين الكنائس الثلاث، الذي يُروج له حالياً، يواجه اختبار الشفافية؛ إذ إن إخفاء بنود الاتفاق يثير الشكوك حول مدى قدرته على تلبية احتياجات الرعايا. وتستعيد الذاكرة الجمعية خلافات التسعينيات بين الكنائس حول مبررات الطلاق، مما يجعل الكتمان الحالي مبرراً للتوجس بدلاً من الاحتفال.
وعلى صعيد التعديلات المقترحة للمسلمين، يبرز دور 'نواب الأنابيب' في تقديم مقترحات تركز بشكل أساسي على الغرامات المالية الضخمة. فقد اقترح حزب العدل غرامة تصل إلى ثلاثين ألف جنيه في حال عدم إخطار الزوجة الأولى بالزواج الثاني، وهو ما يراه محللون تحولاً نحو فلسفة 'جني الأموال' بدلاً من الإصلاح الاجتماعي.
إن الادعاء بوجود فراغ تشريعي في قضايا النفقة أو الزواج الثاني هو ادعاء غير دقيق من الناحية القانونية، حيث إن القوانين الحالية تتضمن بالفعل نصوصاً تجرم هذه الأفعال. إلا أن التوجه الجديد يسعى لرفع سقف العقوبات المالية إلى مستويات غير مسبوقة، مما يحول الدولة إلى طرف مستفيد مالياً من النزاعات العائلية.
الفراغ الوحيد حالياً هو أن الحكومة تريد 'جني المحصول' عبر تحويل النزاعات الأسرية إلى موارد مالية للخزانة العامة.
ولا يتوقف الأمر عند الأحوال الشخصية، بل يمتد لمقترحات برلمانية غريبة مثل استخراج بطاقة رقم قومي للأطفال من سن الخامسة. هذه المقترحات تُقرأ في سياق سياسة 'الاتجار بالمحررات الرسمية'، حيث تفرض رسوماً وأعباء مالية جديدة على المواطنين تحت غطاء التنظيم الإداري أو مواكبة التطور العالمي.
وتستمر حمى المقترحات المالية لتشمل غرامات تصل إلى مليون جنيه في حالات الاعتداء اللفظي على الوالدين أو انتهاك الخصوصية عبر الهاتف. هذه المبالغ الفلكية تعكس انفصالاً عن الواقع الاقتصادي للمواطن المصري، وتؤكد أن الهدف الأول هو تحصيل المال لصالح الخزانة العامة تحت مسميات أخلاقية وقانونية.
تاريخياً، واجهت محاولات تعديل قوانين الأحوال الشخصية بقرارات رئاسية، مثل 'قانون جيهان' عام 1979، مقاومة قانونية ودستورية عنيفة. فقد أبطلت المحكمة الدستورية العليا ذلك القانون لأسباب إجرائية، مما يذكرنا بأن القوانين التي تُصاغ بعيداً عن التوافق المجتمعي والبرلماني الحقيقي تظل عرضة للانهيار.
إن الفلسفة التي تحكم التعديلات الحالية تبدو وكأنها تعتبر السلطة هي المتضرر الحقيقي من المشاكل الأسرية، ولذلك تؤول إليها الغرامات والتعويضات. فبدلاً من جبر ضرر الزوجة أو الوالدين، تذهب الأموال المقتطعة كعقوبات إلى خزائن الحكومة، مما يفرغ العقوبة من معناها الإصلاحي والاجتماعي.
كما تثير قضية تجديد بطاقة الرقم القومي كل سبع سنوات تساؤلات حول الجدوى الفنية مقابل العائد المادي، خاصة مع رداءة الصور والبيانات التي لا تتغير فعلياً. إنها منظومة متكاملة من التشريعات التي تهدف في النهاية إلى استنزاف جيوب المواطنين عبر كل مرحلة من مراحل حياتهم، من الطفولة وحتى الشيخوخة.
وفي ظل غياب المعارضة الحقيقية داخل البرلمان، تتبارى الكتل السياسية في تقديم مشروعات قوانين 'خارج الصندوق' لإثبات الولاء للسلطة التنفيذية. هذا التسابق التشريعي أنتج حالة من الفوضى القانونية التي تغلب فيها المصلحة المالية الضيقة على استقرار المراكز القانونية والاجتماعية للأسرة المصرية.
ختاماً، يظل السؤال قائماً حول ما تخفيه الغرف المغلقة في البرلمان المصري بشأن هذه القوانين المصيرية. إن غياب الحوار المجتمعي الشفاف حول قوانين الأحوال الشخصية ينذر بأزمات مستقبلية قد تعصف بالاستقرار الأسري، وتحول القضاء من ساحة للعدالة إلى أداة للجباية المالية.





شارك برأيك
تعديلات قوانين الأحوال الشخصية في مصر: مخاوف من 'الجباية' والسرية التشريعية