تواجه إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تحديات متزايدة في مسار المواجهة مع إيران، حيث تتصاعد التحذيرات من أن الاعتماد الكلي على منطق الإملاءات العسكرية لن يؤدي إلى نتائج ملموسة. وتشير تقارير دولية إلى أن واشنطن بحاجة ماسة لإعادة النظر في مقاربتها الحالية إذا كانت ترغب فعلياً في إنهاء حالة الصراع المفتوح.
وترى المصادر أن المشكلة الأساسية لا تكمن في ضيق الوقت المتاح للإدارة الأمريكية، بل في غياب الوضوح الداخلي حول الأهداف النهائية من التفاوض. هذا التخبط يجعل التحركات الدبلوماسية تبدو أقل من مستوى التحديات المعقدة التي يفرضها الملف الإيراني الممتد منذ عقود طويلة.
إن إنهاء حالة الحرب والحفاظ على هدوء مستدام يتطلب فهماً عميقاً لطبيعة النظام الإيراني الذي يمتلك خبرة واسعة في إدارة التفاوض مع واشنطن. المساعدون في البيت الأبيض قد يتصورون أن الحلول سريعة، لكن الواقع يثبت أن التعامل مع طهران يحتاج لنفس طويل ومعرفة دقيقة بالتفاصيل.
ويؤكد خبراء سبق لهم التعامل مع هذا الملف أن الإدارة الأمريكية لم تحسم بعد أسئلة جوهرية تتعلق بطبيعة الاتفاق المطلوب وحدود التنازلات. غياب هذه الإجابات يجعل واشنطن تدخل أي مسار تفاوضي وهي في موقف غير مستقر سياسياً وفنياً.
من جانبه، أوضح مايكل سينغ، المسؤول السابق في الإدارة الأمريكية أن التفاصيل الفنية في هذه الاتفاقات هي جوهر العملية وليست مجرد هوامش ثانوية. وأشار إلى أن كل إدارة جديدة تضطر لتعلم هذه الحقيقة بصعوبة، بينما يأتي المفاوض الإيراني بذاكرة مؤسسية تراكمية.
التحليلات تشير إلى أن ما قد يظهر كـ "تنازل إيراني" قد يكون في جوهره مكسباً استراتيجياً لطهران إذا لم تدرك واشنطن الصياغات القانونية بدقة. هذا التفاوت في الخبرة التفاوضية يمنح إيران قدرة على المناورة حتى في ظل أقسى الظروف الاقتصادية والعسكرية.
ويبدو أن الرئيس ترامب يميل بطبعه لاستعراض القوة العسكرية، مدركاً أن إيران هي الطرف الأضعف ميدانياً في الوقت الراهن. ومع ذلك، فإن تضرر المصالح الأمريكية عالمياً قد يجبره في نهاية المطاف على الجلوس بجدية أكبر خلف طاولة المفاوضات الدبلوماسية.
الضغط وحده لا يصنع اتفاقاً، وغياب الرغبة في صياغة تسوية تمنح كل طرف مكاسب مقبولة يعني فشل المفاوضات حتماً.
السؤال المصيري الذي يواجه واشنطن هو مدى استعدادها للقبول باتفاق يضمن بقاء النظام الإيراني في السلطة كأمر واقع. هذا السيناريو يصطدم برفض قاطع من المعارضة الإيرانية وبعض الحلفاء الإقليميين الذين يرون في طهران تهديداً وجودياً لاستقرار المنطقة.
ورغم قوة الضربات العسكرية الأمريكية والإسرائيلية، إلا أنها لم تنجح في زعزعة استقرار النظام الداخلي أو إشعال ثورة شعبية تطيح به. كما أن احتفاظ طهران بورقة التهديد بإغلاق مضيق هرمز يمنحها قوة ردع اقتصادية لا يمكن للولايات المتحدة تجاهلها بسهولة.
وفي حال قررت الإدارة الأمريكية المضي قدماً في مسار دبلوماسي، فإنها ستواجه حملات تشكيك واسعة من التيارات المتشددة في واشنطن. هذه الضغوط الداخلية، المدعومة من مراكز أبحاث وتسريبات إعلامية، تهدف دائماً إلى عرقلة أي تقارب قد يفضي إلى تخفيف التوتر.
يتعين على إدارة ترامب أيضاً تحديد سقف مطالبها، وما إذا كانت ستكتفي بالملف النووي أم ستشمل الصواريخ الباليستية والنفوذ الإقليمي. تجاهل أي من هذه الملفات سيؤدي إلى أزمات مستقبلية، بينما إدراجها جميعاً قد يجعل الوصول لاتفاق أمراً شبه مستحيل.
وتشدد المصادر على أن الأطر السياسية العامة لا تصنع اتفاقات حقيقية ما لم تترجم إلى نصوص تفصيلية وآليات رقابة صارمة. اتفاق عام 2015، رغم التحفظات عليه، يظل نموذجاً لحجم التعقيد الفني المطلوب لضمان التزام كافة الأطراف ببنود التفاهم.
داريل كيمبال، الخبير في شؤون التسلح، يرى أن وجود جهة رقابية دولية مثل وكالة الطاقة الذرية هو الضمانة الوحيدة لأي اتفاق. التعهدات الشفوية لا قيمة لها في عالم السياسة الدولية، خاصة مع انعدام الثقة التاريخي بين طهران وواشنطن.
في الختام، يبرز خيار الاتفاق المؤقت أو "الهدنة الدبلوماسية" كحل وسط يمنح الطرفين مساحة للتنفس بعيداً عن حافة الهاوية. لكن نجاح هذا المسار يعتمد كلياً على إدراك واشنطن بأن إيران لن تقبل بصيغة استسلام، بل تبحث عن معادلة تحفظ مصالحها.





شارك برأيك
معضلة ترامب مع طهران: لماذا لا تكفي لغة الضغوط لانتزاع اتفاق جديد؟