تحليل

الجمعة 24 أبريل 2026 8:04 مساءً - بتوقيت القدس

غزة تنزف بين الحصار والمماطلة: إسرائيل تعطل الاتفاق وواشنطن تساير شروطها

رسالة واشنطن


واشنطن – سعيد عريقات – 24/4/2026

تحليل إخباري

تتصاعد الخلافات حول مستقبل اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة، بعدما اتهمت حركة حماس إسرائيل بعرقلة تنفيذ المرحلة الأولى من الاتفاق، عبر ربط استحقاقاتها الإنسانية والأمنية بملف نزع سلاح المقاومة، في خطوة قالت الحركة إنها تناقض الخطة التي أعلنها الرئيس الأميركي دونالد ترمب لإنهاء الحرب على القطاع. ويعكس هذا السجال اتساع الفجوة بين النصوص المعلنة للاتفاق وبين الوقائع الميدانية، حيث تستمر هجمات جيش الاحتلال الإسرائيلي والحصار، فيما تتدهور الأوضاع الإنسانية بوتيرة متسارعة داخل القطاع المنكوب.

وقال الناطق باسم حماس حازم قاسم إن اشتراط نزع السلاح قبل استكمال التزامات المرحلة الأولى من شأنه أن يعقّد المفاوضات الخاصة بالمرحلة الثانية، مشدداً على ضرورة تنفيذ ما تم الاتفاق عليه أولاً قبل الانتقال إلى أي ملفات لاحقة. وجاءت تصريحاته عقب لقاءات عقدت في القاهرة خلال الأسبوع الماضي، وضمّت رئيس الحركة في غزة خليل الحية، ومسؤولين مصريين، والممثل الدولي نيكولاي ملادينوف، إضافة إلى المستشار الأميركي آرييه لايتستون، في محاولة لدفع المسار التفاوضي المتعثر.

وتنص المرحلة الأولى، وفق ما أعلن سابقاً، على وقف إطلاق النار، وانسحاب إسرائيلي جزئي، والإفراج عن الأسرى الإسرائيليين المتبقين في غزة، والسماح بدخول ستمئة شاحنة مساعدات يومياً. وتقول حماس إنها التزمت بما عليها، عبر إطلاق أسرى إسرائيليين، بينما أخفقت إسرائيل في تنفيذ التزاماتها الإنسانية، وواصلت هجماتها التي أوقعت مئات القتلى وآلاف الجرحى، فضلاً عن استمرار القيود على دخول الغذاء والدواء والوقود.

أما المرحلة الثانية، فتشمل انسحاباً أوسع للجيش الإسرائيلي من القطاع، وإطلاق عملية إعادة الإعمار، وبدء معالجة ملف سلاح الفصائل ضمن ترتيبات سياسية وأمنية أشمل. غير أن إسرائيل، بحسب الحركة، قلبت ترتيب البنود، وأصرت على جعل نزع السلاح شرطاً مسبقاً لأي انسحاب أو إعادة إعمار، وهو ما تعتبره حماس محاولة لانتزاع مكاسب سياسية بالقوة، بعدما عجزت الحرب عن تحقيق أهدافها المعلنة.

وفي هذا السياق، وصف قاسم التهديدات الإسرائيلية بالعودة إلى الحرب بأنها أدوات ضغط تفاوضي، قائلاً إن الحرب لم تتوقف فعلياً، في ظل استمرار القتل اليومي، واحتلال أجزاء واسعة من القطاع، وإغلاق المعابر. وتزامن ذلك مع دعوات أطلقها وزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش لإعادة احتلال غزة بالكامل وإقامة مستوطنات فيها، بما يكشف أن تياراً نافذاً داخل الحكومة لا يتعامل مع الهدنة باعتبارها مساراً نحو التسوية، بل استراحة مؤقتة لاستكمال مشروع السيطرة.

وتكشف الأزمة الحالية أن جوهر الخلاف لا يتعلق بالسلاح فقط، بل بطبيعة اليوم التالي للحرب. فإسرائيل تريد غزة منزوعـة الإرادة السياسية قبل أن تكون منزوعـة السلاح، فيما يسعى الفلسطينيون إلى ربط أي ترتيبات أمنية بإنهاء الاحتلال ورفع الحصار. ومن دون معالجة هذا التناقض البنيوي، ستظل كل هدنة قابلة للانهيار. فالأمن لا يُفرض بالقوة وحدها، بل عبر تسوية تعترف بالحقوق الوطنية وتمنح السكان أفقاً سياسياً قابلاً للحياة والاستمرار والاستقرار الإقليمي الحقيقي المشترك مستقبلاً.

وأضاف قاسم أن حماس والفصائل الفلسطينية أجرت خلال الأسبوعين الماضيين مشاورات مع الوسطاء والدول الضامنة، تركزت على تنفيذ التزامات المرحلة الأولى ووقف الخروق، إلى جانب بحث المرحلة الثانية بما فيها ملف السلاح. لكنه اعتبر أن العقبة الأساسية تكمن في التعنت الإسرائيلي وربط جميع المسارات بهذا الشرط، الأمر الذي يفرغ الاتفاق من مضمونه، ويحوله إلى أداة ابتزاز سياسي وإنساني في آن واحد.

ومن بين البنود غير المنفذة، تمكين اللجنة الوطنية لإدارة غزة من مباشرة عملها داخل القطاع، وإدخال مواد الإغاثة والإيواء، ودعم القطاع الصحي، وفتح المعابر بصورة كاملة. وكانت اللجنة قد باشرت أعمالها في القاهرة منتصف يناير، غير أنها لم تتمكن حتى الآن من الانتقال إلى غزة، رغم إعلان استكمال الترتيبات اللوجستية والإدارية. ويتطلب دخول أعضائها تنسيقاً عبر المعابر الخاضعة للسيطرة الإسرائيلية، من دون توضيح رسمي لأسباب التأخير.

ويعكس تعطيل اللجنة الوطنية لإدارة غزة توجهاً إسرائيلياً لمنع قيام مرجعية مدنية فلسطينية قادرة على إدارة القطاع بعد الحرب. فوجود إدارة محلية منظمة يعني تراجع الذرائع الأمنية، ويفتح الباب لمطالبات دولية بإنهاء الاحتلال. لذلك يبدو التعطيل جزءاً من استراتيجية إبقاء الفراغ قائماً، بحيث تبقى غزة بين الفوضى والوصاية. كما أن بعض الأطراف الدولية تكتفي بالمراقبة، ما يشجع إسرائيل على استخدام المعابر أداة تحكم سياسي يومي دائم وممنهج.

وعلى الصعيد الإنساني، قال قاسم إن الوضع يزداد سوءاً بسبب إغلاق المعابر وتقييد المساعدات وقتل المدنيين يومياً، مشيراً إلى أن معبر رفح لا يعمل وفق ما نص عليه الاتفاق. وكانت جمعية الهلال الأحمر الفلسطيني أعلنت أن نحو سبعمئة مريض فقط تمكنوا من مغادرة غزة للعلاج منذ إعادة فتح المعبر جزئياً في الثاني من فبراير، فيما ينتظر أكثر من ثمانية عشر ألف مريض وجريح الإجلاء الطبي وسط القيود الإسرائيلية المشددة.

وأشار عائدون عبر رفح إلى تعرضهم للاحتجاز والاستجواب لساعات طويلة قبل السماح لهم بالمرور. وقبل الحرب، كان مئات الفلسطينيين يعبرون يومياً في الاتجاهين ضمن آلية اعتيادية تديرها وزارة الداخلية في غزة بالتنسيق مع مصر، من دون تدخل إسرائيلي مباشر. لكن هذا الواقع تبدل بعد سيطرة إسرائيل على الجانب الفلسطيني من المعبر خلال الحرب، وفرضها قيوداً صارمة على الحركة، ما ضاعف معاناة المرضى والجرحى وأغلق نافذة العلاج الخارجي.

ويظهر الموقف الأميركي تناقضاً صارخاً بين الخطاب والممارسة. فواشنطن تعلن دعم الهدنة وتحسين الوضع الإنساني، لكنها لا تمارس ضغطاً حقيقياً لإلزام إسرائيل بتنفيذ ما وقعت عليه. هذا التردد لا يُفسَّر بالعجز، بل بحسابات سياسية تجعل المصلحة الإسرائيلية أولوية ثابتة. والنتيجة أن الوساطة الأميركية تفقد مصداقيتها ، فيما يدفع المدنيون الفلسطينيون ثمن هذا الانحياز عبر الجوع والمرض واستمرار القصف وتعطيل الإعمار وغياب المساءلة الدولية الفعلية حتى الآن.

ومنذ شنها حرب الإبادة على غزة في تشرين الأول 2023، أسفرت الهجمات الإسرائيلية عن مقتل أكثر من اثنين وسبعين ألف فلسطيني وإصابة أكثر من مئة واثنين وسبعين ألفاً، معظمهم من النساء والأطفال، إضافة إلى تدمير نحو تسعين في المئة من البنية التحتية المدنية. وفي ظل هذا المشهد، تبدو المفاوضات اختباراً حقيقياً: إما إلزام إسرائيل بتنفيذ الاتفاق، أو ترك غزة رهينة حرب مفتوحة بأدوات مختلفة.

دلالات

شارك برأيك

غزة تنزف بين الحصار والمماطلة: إسرائيل تعطل الاتفاق وواشنطن تساير شروطها

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.