أفادت تقارير صحفية دولية بأن مضيق هرمز بات يشهد حالة من الشلل الملاحي، حيث تحول عدد السفن العابرة إلى مؤشر دقيق لمدى تأثير المواجهة العسكرية بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى على الاقتصاد العالمي. ووفقاً لبيانات تتبع الملاحة، فقد انخفض عدد السفن العابرة إلى سفينة واحدة فقط في بعض الأيام، مما يعكس حجم المخاطر الأمنية في الممر المائي الأهم عالمياً.
وشهد يوم الأربعاء الماضي تصعيداً ميدانياً لافتاً، حيث أقدمت القوات الإيرانية على مهاجمة سفينتي شحن تجاريتين أثناء محاولتهما عبور المضيق. وأكدت مصادر مطلعة أن هذه الهجمات تهدف إلى إرسال رسالة واضحة للمجتمع الدولي مفادها أن التهديدات الإيرانية بإغلاق الممر المائي ليست مجرد تصريحات سياسية، بل هي واقع ميداني قادر على كبح حركة التجارة.
وتشير البيانات الصادرة عن مؤسسات بحثية متخصصة في الشؤون الخارجية إلى أن طهران لا تزال تُحكم قبضتها على المضيق الاستراتيجي، مما يمنحها نفوذاً واسعاً للضغط على الاقتصاد العالمي. ويأتي هذا النفوذ رغم إعلان الجيش الأمريكي عن تنفيذ ضربات طالت نحو 13 ألف هدف داخل الأراضي الإيرانية، وفرض حصار بحري مشدد يهدف لعزل النظام الإيراني.
ويمثل مضيق هرمز شريان الحياة لإمدادات الطاقة العالمية، حيث يمر عبره في الظروف الطبيعية نحو خُمس إمدادات النفط وكميات ضخمة من الغاز الطبيعي المسال. ومع تعطل هذه الإمدادات، بدأت الأسواق العالمية تشهد ارتفاعاً ملحوظاً في أسعار البنزين والديزل ووقود التدفئة، مما يضع أعباءً مالية إضافية على الشركات والمستهلكين في مختلف القارات.
وبحسب إحصائيات وكالة الطاقة الدولية، فقد تسببت التوترات الراهنة في انخفاض إمدادات النفط العالمية بنسبة تصل إلى 10%. وقد تراجع معدل العبور اليومي للسفن بشكل حاد من 130 سفينة قبل اندلاع الحرب في فبراير الماضي إلى نحو 8 سفن فقط، قبل أن تزداد الأوضاع سوءاً في الأيام الأخيرة مع تكرار حوادث الاستهداف المباشر.
وفي تطور ميداني يوم الجمعة، سادت حالة من التفاؤل الحذر بعد إعلانات عن فتح الممر المائي، مما دفع عشرات السفن للتحرك نحو المضيق. إلا أن السلطات الإيرانية سرعان ما أعلنت تشديد الرقابة على السفن الداخلة، مبررة ذلك باستمرار الحصار الأمريكي على سفنها في خليج عُمان، مما أدى لتوقف 33 سفينة عن العبور بشكل مفاجئ يوم السبت.
ونقلت مصادر عن محللين في قطاع الملاحة البحرية أن برامج التتبع أظهرت تغيراً دراماتيكياً في سلوك السفن التجارية خلال ساعات قليلة. فبعد بوادر الثقة التي ظهرت صباح السبت، تراجعت السفن عن مساراتها فور ورود أنباء عن هجوم إيراني جديد، مما يثبت غياب 'حرية الملاحة' الفعلية في المنطقة رغم الوجود العسكري الدولي.
إنهم يُذكّروننا بأن تهديداتهم بمهاجمة السفن حقيقية، وهذا كافٍ لكبح حركة الملاحة في المضيق.
واستهدفت الهجمات الأخيرة سفينة 'إم إس سي فرانشيسكا' التابعة لأكبر شركة شحن حاويات في العالم، بالإضافة إلى السفينة اليونانية 'إيبامينونداس'. وأفادت الشركة المشغلة للسفينة الأخيرة بأن زورقاً حربياً مأهولاً اقترب منها وأطلق النار، مؤكدة في الوقت ذاته سلامة الطاقم وعدم وقوع إصابات أو تلوث بيئي في مياه المضيق.
وتكشف بيانات 'لويدز ليست إنتليجنس' عن مفارقة لافتة، حيث أن عدد السفن المرتبطة بإيران التي تعبر المضيق يفوق حالياً عدد السفن غير المرتبطة بها. ومنذ مطلع مارس، عبرت نحو 308 سفن مرتبطة بطهران، وهي سفن غالباً ما تحمل شحنات خاضعة للعقوبات أو تعمد لإغلاق أجهزة الإرسال لإخفاء هويتها ومساراتها.
وفي محاولة لتقويض القدرات المالية الإيرانية، فرضت الولايات المتحدة حصاراً بحرياً شاملاً منذ منتصف أبريل الماضي لقطع صادرات النفط. وبينما تؤكد القيادة المركزية الأمريكية نجاح الحصار واحتجاز ناقلات حاولت اختراقه، يشير محللون دوليون إلى أن بعض السفن المرتبطة بإيران لا تزال تنجح في تجاوز الرقابة الأمريكية.
من جانبه، نفى المتحدث باسم القيادة المركزية الأمريكية التقارير التي تتحدث عن اختراق الحصار، مؤكداً أن القوات الأمريكية تفرض رقابة صارمة. وأوضح أن السفن غير المرتبطة بإيران يُسمح لها بالمرور، مشيراً إلى أن المدمرات الأمريكية تتمركز في مواقع استراتيجية، بينما توفر مروحيات الأباتشي وجوداً مرئياً لردع أي تهديدات.
ورغم هذا الوجود العسكري، يرى مراقبون أن غياب القطع البحرية الأمريكية الكبيرة داخل قلب المضيق يعزز من قدرة الإيرانيين على المناورة. وقالت مصادر تحليلية إن شركات الشحن العالمية لن تستعيد ثقتها في الممر المائي ما لم تضمن البحرية الأمريكية حماية مباشرة ومستمرة للسفن التجارية، وهو ما لا يزال غائباً حتى اللحظة.
وتسود حالة من الغموض الشديد أروقة شركات الشحن الكبرى، مثل 'هاباج-لويد' الألمانية، التي كانت تتوقع هدوءاً نسبياً تزامناً مع مفاوضات محتملة. إلا أن الهجمات المباغتة التي وقعت فجر الأربعاء دون سابق إنذار أعادت خلط الأوراق، وجعلت من قرار عبور مضيق هرمز مغامرة غير محسوبة العواقب بالنسبة للمستثمرين.
ختاماً، يبدو أن طهران نجحت في تحويل الصراع العسكري إلى حرب استنزاف اقتصادية تستهدف قطاع الشحن العالمي. ومع استمرار الهجمات، يظل مضيق هرمز رهينة للتجاذبات السياسية والعسكرية، وسط مخاوف من أن يؤدي استمرار الإغلاق الفعلي إلى أزمة طاقة عالمية تفوق قدرة الأسواق على التحمل في المدى المنظور.





شارك برأيك
إيران تُحكم قبضتها على مضيق هرمز: تراجع حاد في الملاحة وتهديدات تطال إمدادات الطاقة العالمية