تعيش مدينة دبي، التي تُعد أحد أبرز الأقطاب السياحية في العالم، صدمة اقتصادية عنيفة طالت قطاعات الفنادق والمطاعم والضيافة. وجاء هذا التراجع الحاد مدفوعاً بتداعيات المواجهة العسكرية بين الولايات المتحدة وإيران، مما أدى إلى إلغاء آلاف الحجوزات والرحلات الجوية الدولية.
وأفادت مصادر بأن الأزمة الراهنة اندلعت عقب أحداث الثامن والعشرين من فبراير الماضي، حيث تحولت المدينة التي كانت تعج بالزوار إلى حالة من الركود المفاجئ. وقد غادر معظم السياح الأجانب البلاد، وسط مخاوف أمنية متزايدة أثرت بشكل مباشر على حركة التدفق السياحي التي بلغت ذروتها في عام 2025.
وتشير البيانات الإحصائية إلى أن دبي كانت قد استقبلت نحو 19.59 مليون زائر دولي خلال العام الماضي، مما عزز مكانتها العالمية قبل الانتكاسة الأخيرة. إلا أن المشهد اليوم يختلف تماماً، حيث باتت المطاعم والمرافق الترفيهية شبه خالية من روادها، في انعكاس مباشر لعمق الأزمة التي تضرب مفاصل الاقتصاد السياحي.
وفي شهادة على حدة الأزمة، أوضحت ناتاشا سيديريس، مؤسسة مجموعة 'تاشاس' للمطاعم أن التحول في السوق كان مفاجئاً وصادماً لكافة المستثمرين. وأكدت أن إيرادات فروعها التي تعتمد على السياح تهاوت بنسبة تصل إلى 80%، مما دفعها لاتخاذ إجراءات تقشفية قاسية تشمل خفض الرواتب لضمان عدم تسريح العمالة.
وذكرت سيديريس أنها افتتحت أولى مشاريعها في دبي عام 2014 وتوسعت لتشمل 14 فرعاً، لكن الحرب الحالية وضعت هذه الاستثمارات في مهب الريح. وأضافت أن الخيارات المتاحة كانت إما الاستغناء عن ثلث الموظفين أو تقليص الأجور، وهو الخيار الذي تم اعتماده مؤقتاً لمواجهة نقص السيولة الحاد.
ولا تقتصر هذه المعاناة على مجموعة واحدة، بل تمتد لتشمل سلاسل مطاعم كبرى سجلت تراجعاً في أعداد الزبائن بنسبة وصلت إلى 85%. وأكد مسؤولون تنفيذيون في القطاع أن العديد من المنشآت اضطرت لمنح الموظفين إجازات غير مدفوعة الأجر، بينما أغلقت فروع أخرى أبوابها مؤقتاً لتقليل التكاليف التشغيلية.
وعلى الصعيد الأمني، أشارت مصادر إلى أن الإمارات تعرضت لهجمات صاروخية وبطائرات مسيرة ضمن سياق الرد الإيراني على الضربات الأمريكية. ورغم اعتراض السلطات لأكثر من 90% من هذه الهجمات التي تجاوز عددها 2400 مقذوف، إلا أن الشظايا تسببت في أضرار مادية ببعض الفنادق والمناطق السكنية.
الوضع الحالي قاسٍ للغاية، واضطررنا لخفض الرواتب بنسبة 30% لتجنب تسريح الموظفين والحفاظ على استمرارية العمل.
وأدت هذه التطورات إلى سقوط ضحايا ومصابين، حيث سجلت السلطات مقتل 11 شخصاً وإصابة أكثر من 185 آخرين في مناطق متفرقة. وقد وثقت صور تداولتها منصات التواصل الاجتماعي أضراراً لحقت بمنشآت فندقية فاخرة في جزيرة النخلة، مما زاد من حالة القلق لدى الزوار والمقيمين على حد سواء.
قطاع الطيران نال نصيباً وافراً من الأضرار، حيث تعطلت حركة الملاحة في مطار دبي الدولي الذي استوعب 95.2 مليون مسافر العام الماضي. وتم إلغاء آلاف الرحلات الجوية، مما أدى إلى تقطع السبل بعشرات الآلاف من المسافرين قبل أن يتم تنظيم رحلات إجلاء خاصة لهم خلال الأسابيع الأولى من الصراع.
وفيما يتعلق بقطاع الإيواء، أكد مامون حميدين، المسؤول في شركة 'ويجو' أن نسب إشغال الفنادق تراجعت إلى مستويات قياسية تتراوح بين 15% و20%. ولجأت الفنادق الفاخرة إلى تقديم خصومات تصل إلى نصف السعر لجذب السكان المحليين وتعويض غياب السياحة الخارجية، خاصة خلال مواسم الأعياد.
كما تضررت سياحة الأعمال والمؤتمرات بشكل كبير، حيث تم تأجيل أو إلغاء فعاليات دولية كبرى كانت مقررة في دبي. وأوضح مديرو تسويق في فنادق كبرى أن الإلغاءات امتدت لما بعد شهر أبريل، مما يزيد من ضبابية المشهد المستقبلي ويصعب من عملية التخطيط المالي للمنشآت السياحية.
وتشير بيانات شركة 'AirDNA' إلى إلغاء أكثر من 226 ألف حجز قصير الأمد في الإمارات خلال الشهر الأول من الحرب فقط. هذا التراجع وضع ضغوطاً هائلة على العمالة الوافدة التي تشكل العمود الفقري للقطاع، حيث يواجه الآلاف منهم خطر فقدان الدخل والاضطرار للعودة إلى بلدانهم الأصلية.
إقليمياً، تتوقع مؤسسات اقتصادية أن يخسر قطاع السياحة في الشرق الأوسط ما بين 34 و56 مليار دولار خلال العام الجاري. ومن المتوقع أن يتراجع عدد المسافرين إلى المنطقة بنحو 38 مليون شخص، مما يهدد موسم الصيف بالكامل في حال استمرار العمليات العسكرية وعدم التوصل لتهدئة.
وفي محاولة رسمية لاحتواء الموقف، أعلنت سلطات دبي عن حزمة دعم مالي بقيمة تتجاوز 272 مليون دولار لمساعدة الشركات المتضررة. وتتضمن هذه الحزمة تسهيلات في دفع الرسوم وتأجيل الالتزامات المالية للفنادق، في انتظار استقرار الأوضاع الأمنية للبدء في حملات ترويجية عالمية لإعادة تنشيط القطاع.





شارك برأيك
أزمة سياحية غير مسبوقة تضرب دبي جراء التوترات الإقليمية