تحليل

الثّلاثاء 21 أبريل 2026 4:42 مساءً - بتوقيت القدس

الاستشراق وما بعد الكولونيالية: قراءة نقدية في أطروحة نجيب جورج عوض الجديدة

يأتي كتاب الباحث نجيب جورج عوض 'من كتاب الاستشراق إلى ما بعد-الكولونيالية' كدراسة نقدية معمقة تسعى لسبر أغوار التحولات الفكرية التي طرأت على حقل الدراسات الثقافية. الصادر عن دار مؤمنون بلا حدود في طبعته الأولى لعام 2025، يقع الكتاب في 384 صفحة، محاولاً تفكيك العلاقة الجدلية بين أطروحات إدوارد سعيد وتطور نظرية ما بعد الكولونيالية.

يرى المؤلف أن مفهوم ما بعد الكولونيالية نشأ كحقل معرفي جديد في رحم ما بعد الحداثة، والتي مثلت بدورها ثورة ضد المركزية الأوروبية والعقلانية الصارمة. وقد اعتبرت هذه النظرية خطاب عصر الأنوار الغربي خطاباً استبدادياً يتستر خلف قناع العلموية، مما استدعى إعادة النظر في كافة المفاهيم التي أنتجتها الحداثة الغربية.

يستعرض الكتاب الجذور الفلسفية لهذا التحول، بدءاً من نيتشه وصولاً إلى جان فرنسوا ليوتار الذي رسخ مفهوم ما بعد الحداثة كخطاب كوني. وانطلاقاً من هذا السياق، تبلورت دراسات ما بعد الكولونيالية كأداة أكاديمية لتحليل الإرث الثقافي والإمبريالي الغربي ونتائجه الاجتماعية على الشعوب المستعمرة.

لا يكتفي عوض برصد التاريخ، بل يغوص في استراتيجيات التفسير التي سبقت صدور كتاب 'الاستشراق' لإدوارد سعيد، مشيراً إلى إسهامات طلال أسد وأنور عبد الملك. كما يمضي الكتاب قدماً لتحليل مرحلة ما بعد سعيد، وكيف وظف باحثون مثل حومي بابا وغياتري سبيفاك هذه الأطروحات لتأسيس حقل أكاديمي مستقل.

يطرح الكتاب تساؤلاً مركزياً حول مصداقية حقل دراسات ما بعد الكولونيالية في الجامعات الغربية، وما إذا كان يساهم في تطوير التفكير العلمي أم يقدم 'علماً منحولاً'. ويناقش المؤلف كيف تم تحويل فكر سعيد أحياناً إلى قوالب جاهزة، أو اتهامه من قبل باحثين مثل وائل حلاق بأنه لم يكن راديكالياً بما يكفي.

يعرّف البحث نظرية ما بعد الكولونيالية بوصفها مجالاً نقدياً يهتم بدراسة التأثيرات الثقافية للاستعمار وطرق مقاومته. فقبل الثمانينيات، كانت هذه الدراسات محصورة في العلوم السياسية وحركات التحرر الوطني، لكنها تحولت لاحقاً إلى منهج استراتيجي للتفكير يتجاوز مجرد رصد الوقائع التاريخية.

يشير الكتاب إلى الدور الريادي لفرانتز فانون وإدوارد سعيد في تأسيس هذا الفكر، حيث سعى كلاهما لإيصال صوت المضطهدين في وجه هيمنة المستعمر. وتعتبر هذه النظرية قراءة نقدية للفكر الغربي في تعامله مع الشرق، تهدف لاستكشاف الأنساق الثقافية المتحكمة في الخطاب الاستعماري المستمر بأشكال مختلفة.

من خلال تجربته الأكاديمية في أوروبا والولايات المتحدة، يسلط نجيب عوض الضوء على تحديات العمل داخل المؤسسات الجامعية الغربية. ويشير إلى وجود روابط وثيقة بين ذهنية التسويق والمنطق الاقتصادي وبين صياغة المناهج التعليمية، حيث تخضع المعرفة أحياناً لمعايير الجذب الشعبي والربحية المالية.

يؤكد المؤلف أن الإدارات الجامعية في الغرب تضغط على الأكاديميين لاختيار مواد تعليمية تجذب أكبر عدد من الطلاب، خاصة الدوليين القادرين على دفع رسوم عالية. هذا الواقع يفرض على الأستاذ الجامعي الموازنة بين شغفه البحثي وبين متطلبات 'تزيين' المواد بعناوين مثيرة تضمن استمرارية التمويل والانتساب.

رغم هذه التحديات، يقر عوض بأن نظرية ما بعد الكولونيالية تمتعت باليد الطولى في الفضاء المعرفي خلال العقود الأخيرة. فقد نجحت في تنبيه العالم إلى حقيقة هيمنة القوى الغربية وممارستها لسيطرة وصائية على الجنوب العالمي، مستفيدة من إرثها الاستعماري والإمبريالي الطويل في آسيا وأفريقيا.

تكمن أهمية النظرية في قدرتها على لفت الانتباه إلى 'الاستعمارية المضمرة' التي لا تزال قائمة رغم زوال الاحتلال العسكري المباشر. فهي تعمل كصفارة إنذار داخل الأكاديميا الغربية، محذرة من أن التاريخ الشمولي الغربي قد يعيق فهم مسارات حضارية بديلة لا تخضع لمنطق الهيمنة التقليدي.

يسعى الكتاب إلى تشريح السيرة الجينيالوجية لنظرية ما بعد الكولونيالية، معتبراً أن هذا الفعل هو في جوهره نشاط ما بعد كولونيالي أصيل. فالبحث في كيفية تطور هذه النظرية يساعد في تقييم جدواها المعرفية وقدرتها على تقديم بدائل حقيقية لمنهجيات إنتاج المعرفة الكولونيالية السائدة.

يركز عوض على تتبع بصمات نشوء هذا الحقل من خلال الموقف التاريخي الذي اتخذه إدوارد سعيد تجاه علم الاستشراق. ويحلل كيف تحولت هذه الأفكار من أدوات لتفكيك الهيمنة إلى موضوعات خاضعة للمراجعة والنقد داخل الأروقة الأكاديمية، مما يعكس حيوية هذا المجال المعرفي وتطوره المستمر.

في الختام، يمثل كتاب نجيب جورج عوض إضافة نوعية للمكتبة العربية والعالمية، كونه يجمع بين الخبرة الأكاديمية الميدانية والتحليل الفلسفي الرصين. إنه دعوة لإعادة قراءة 'الاستشراق' ليس كنص جامد، بل كمنطلق لفهم تعقيدات السلطة والمعرفة في عالم ما بعد الكولونيالية المعاصر.

دلالات

شارك برأيك

الاستشراق وما بعد الكولونيالية: قراءة نقدية في أطروحة نجيب جورج عوض الجديدة

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.