اسرائيليات

الثّلاثاء 21 أبريل 2026 3:42 صباحًا - بتوقيت القدس

دعوات إسرائيلية لفك الارتباط الاستراتيجي مع أوروبا والتوجه شرقاً

تتصاعد حالة القلق داخل الأوساط السياسية والدبلوماسية الإسرائيلية جراء ما يوصف بالعزلة المتزايدة في القارة الأوروبية، حيث لم تعد المواقف المعادية للاحتلال مجرد أحداث عابرة بل تحولت إلى سياق بنيوي. ويرى مراقبون أن سنوات من الجرائم المرتكبة بحق الفلسطينيين أدت إلى تنامي موجات التضامن الشعبي التي بدأت تفرض ثقلها على قرارات الحكومات الأوروبية الرسمية بشكل غير مسبوق.

وفي هذا الصدد، اعتبر السفير الإسرائيلي السابق لدى واشنطن، مايكل أورين أن رصد الخطوات الأوروبية المناهضة لتل أبيب بات أمراً مرهقاً نظراً لكثافتها وتلاحقها. وأشار أورين إلى أن القرار الأخير الذي اتخذته رئيسة الحكومة الإيطالية جيورجي مالوني بوقف معاهدة الدفاع مع إسرائيل يمثل ضربة قاصمة، خاصة وأن مالوني كانت تُصنف كواحدة من أقرب الحلفاء المتبقين في القارة.

وأوضح أورين في تحليل نشرته وسائل إعلام عبرية أن الخطوة الإيطالية تأتي ضمن سلسلة من الإجراءات العقابية التي شملت تعليق مبيعات الأسلحة ومنع الشركات الإسرائيلية من المشاركة في المعارض الدفاعية الكبرى. كما لفت إلى أن اعتراف عدة دول أوروبية بالدولة الفلسطينية يعكس تحولاً جذرياً في الموقف السياسي للقارة التي كانت تاريخياً أكثر توازناً في صراعات الشرق الأوسط.

ووصل التوتر بين الجانبين إلى ذروته في فبراير 2026، تزامناً مع تنفيذ الولايات المتحدة وإسرائيل ضربات جوية مشتركة استهدفت منشآت في إيران. ورغم أن الانتقادات الأوروبية تركزت في البداية على إدارة الرئيس دونالد ترامب، إلا أن القادة الأوروبيين أبدوا صرامة لافتة برفضهم استخدام القواعد العسكرية أو الأجواء الأوروبية لتنفيذ تلك الهجمات.

ولم يقتصر الموقف الأوروبي على الجوانب العسكرية، بل امتد ليشمل إدانات سياسية حادة من قادة بارزين مثل رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز. فقد وصف سانشيز العمليات الإسرائيلية بأنها أعمال إجرامية لا يمكن التسامح معها، مطالباً بفرض مقاطعة تجارية دولية شاملة على إسرائيل للضغط عليها لوقف سياساتها العدوانية.

من جانبه، انضم الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى جبهة المنتقدين، حيث أدان ما وصفه بالهجمات العشوائية التي شنتها القوات الإسرائيلية على الأراضي اللبنانية. وأشارت مصادر إلى أن الخطاب الفرنسي بات يتجاهل بشكل شبه كامل التهديدات التي تواجهها المستوطنات الشمالية، ويركز حصراً على التداعيات الإنسانية للعمليات العسكرية الإسرائيلية.

ويرى الدبلوماسي الإسرائيلي السابق أن هذه العداوة لا يمكن فصلها عن رغبة بعض الأوروبيين في التملص من المسؤولية التاريخية عن المحرقة عبر اتهام إسرائيل بارتكاب إبادة جماعية. واعتبر أن اتهام إسرائيل بممارسة التطهير العرقي ضد الفلسطينيين أصبح وسيلة مريحة لبعض الحكومات لتجاوز عقدة الذنب التاريخية تجاه اليهود.

وأمام هذا الواقع، شدد أورين على ضرورة أن تبدأ إسرائيل استراتيجية وطنية لتقليص الاعتماد على أوروبا في السنوات القادمة بشكل تدريجي ومدروس. ودعا إلى تحويل بوصلة السياسة الخارجية نحو الشرق، وتحديداً نحو القوى الصاعدة في آسيا التي لا تضع شروطاً سياسية أو أخلاقية معقدة في علاقاتها الثنائية.

وتتضمن الرؤية المقترحة تعزيز التحالفات الاستراتيجية مع الهند ودول آسيوية أخرى، بالإضافة إلى تنويع الشراكات في القارة الأفريقية وأمريكا الجنوبية. ويرى أصحاب هذا التوجه أن هذه المناطق توفر فرصاً اقتصادية وأمنية هائلة بعيداً عن ضغوط البرلمانات الأوروبية ومنظمات حقوق الإنسان التي تلاحق المسؤولين الإسرائيليين.

وعلى الرغم من الدعوة للقطيعة السياسية، يقترح المحللون الحفاظ على قنوات اتصال تكنولوجية واقتصادية مع عدد محدود من الدول التي لا تزال تبدي قدراً من الصداقة مثل ألمانيا وبلغاريا واليونان. ومع ذلك، يجب أن يظل هذا التعاون محصوراً في الأطر التقنية دون المراهنة على هذه الدول كحلفاء سياسيين في الأزمات الكبرى.

إن التحول نحو الشرق يتطلب إعادة صياغة كاملة لمنظومة الدبلوماسية الإسرائيلية التي استثمرت لعقود في العواصم الغربية. ويؤكد مراقبون أن الفشل في إقناع الرأي العام الأوروبي بعدالة الرواية الإسرائيلية يحتم البحث عن بدائل في فضاءات جغرافية لا تزال تنظر إلى إسرائيل من منظور المصالح البراغماتية الصرفة.

وتشير التقارير إلى أن المؤسسة الأمنية في تل أبيب بدأت بالفعل في دراسة تداعيات خسارة الدعم الأوروبي على المدى البعيد، خاصة في مجالات البحث العلمي والتبادل الاستخباراتي. ومع ذلك، يظل التوجه نحو الهند وأفريقيا محفوفاً بالتحديات نظراً لوجود منافسة دولية قوية وتغلغل صيني وروسي واسع في تلك المناطق.

وفي نهاية المطاف، يبدو أن النخبة السياسية الإسرائيلية بدأت تتقبل فكرة أن 'العصر الذهبي' للعلاقات مع أوروبا قد ولى إلى غير رجعة. ويستشهد أورين بمقولة الفنان الإيطالي أندريا بوتشيلي بأن هناك وقتاً للترحيب ووقتاً للوداع، مؤكداً أن لحظة الوداع السياسي للقارة العجوز قد حانت بالفعل.

إن هذا التحول الاستراتيجي، إذا ما تم تبنيه رسمياً، سيمثل أكبر تغيير في العقيدة السياسية الإسرائيلية منذ تأسيس الدولة، حيث ستنتقل من كونها 'مخفراً غربياً' في الشرق الأوسط إلى كيان يبحث عن شرعيته وتحالفاته في عمق القارات الآسيوية والأفريقية.

دلالات

شارك برأيك

دعوات إسرائيلية لفك الارتباط الاستراتيجي مع أوروبا والتوجه شرقاً

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.