تظل شخصية الشيخ محمد الغزالي السقا مادة ثرية للبحث والدراسة، نظراً لما تركه من إرث فكري ضخم تجاوز حدود الوعظ المنبري إلى بناء أنساق فكرية متكاملة. ويأتي كتاب الباحث إبراهيم بوغضن الصادر عن دار الكلمة لعام 2026، ليسلط الضوء على جانب محوري في مشروع الغزالي وهو 'الفقه السياسي'، محاولاً الإجابة على سؤال نجاعة التأصيل الإسلامي للدولة الحديثة.
لقد انطلق الغزالي في مشروعه الإصلاحي من مركزية المسألة الاجتماعية، حيث ركزت كتاباته الأولى مثل 'الإسلام والأوضاع الاقتصادية' على محاربة الطبقية وتحقيق العدالة. ويرى الباحث أن الغزالي لم يكن مجرد داعية يستنهض الهمم، بل كان منظراً يمتلك رؤية واضحة تربط بين التصور العقدي والواقع السياسي المعاش للأمة الإسلامية.
يبرز الكتاب كيف أن الدكتور محمد عمارة كان من أوائل الذين انتبهوا لشمولية مشروع الغزالي، حيث جعل من مواجهة الاستبداد السياسي والمظالم الاجتماعية العناوين الأبرز في إنتاجه. وقد سعى الغزالي طوال مسيرته إلى تجديد الذات الإسلامية وإحياء الأمة عبر مواجهة تيارات التغريب من جهة، والجمود والتقليد الحرفي من جهة أخرى.
اعتمد الباحث في دراسته على تقسيم ثلاثي، بدأ ببحث مصادر الفقه السياسي عند الغزالي، والتي لم تقتصر على النصوص الشرعية القطعية فحسب، بل امتدت لتشمل التجربة الإنسانية العالمية. فقد آمن الغزالي بأن الحكمة ضالة المؤمن، مما جعله ينفتح على التجارب السياسية في الشرق والغرب لترشيد المسار الإصلاحي الإسلامي.
وفيما يخص أدوات التفقه، يشير الكتاب إلى أن الغزالي استخدم 'التأويل المقاصدي' كأداة رئيسة لفهم النصوص، بعيداً عن الظاهرية الضيقة التي تعيق تطور المجتمع. كما اعتمد منهجية الموازنة والترجيح والجمع بين فقه النص وفقه الواقع، مما أضفى مرونة كبيرة على فتاواه واجتهاداته السياسية التي واكبت متغيرات العصر.
تناول الباب الثاني من الكتاب فلسفة الحكم، حيث اعتبر الغزالي أن أركان النظام السياسي تقوم على مرجعية الشريعة، والعدل، والحرية، والشورى، وولاية الأمة. وقد شدد الغزالي على أن الحاكم ليس إلا وكيلاً عن الأمة، وأن شرعيته مستمدة من مدى التزامه بتحقيق مصالح الناس وحماية حرياتهم الأساسية.
من القضايا الشائكة التي حسمها الغزالي في فكره هي العلاقة بين السياسة والأخلاق، حيث رفض الفصل البراغماتي بينهما مؤكداً أن عقيدة التوحيد تصوغ سلوك السياسي. ويرى الغزالي أن وازع القرآن يجب أن يسير جنباً إلى جنب مع وازع السلطان، بحيث تكون الأخلاق الربانية هي الضابط للممارسة السياسية والمناصب العامة.
اعتبر الشيخ محمد الغزالي الاستبداد أكبر علة من علل الأمة، والسبب الرئيس في تخلفها وتراجعها الحضاري، مفرداً له مؤلفات فككت آليات الاستعباد.
أحدث الغزالي ثورة في الفكر الإسلامي المعاصر فيما يخص قضية المرأة، حيث انتصر لمعيار الكفاءة كشرط وحيد لتولي المسؤوليات العامة والولايات. وقد انتقد بشدة ما وصفه بـ 'الفقه البدوي' الذي يقصي المرأة بناءً على قراءات تراثية ذكورية، مؤكداً على حقها في المشاركة السياسية والاجتماعية الكاملة.
وفي مراجعته للمفاهيم الراديكالية، قدم الغزالي نقداً تفصيلياً لمفهوم 'الحاكمية' كما طرحه سيد قطب، محذراً من الغلو في تأويل هذا المفهوم بما يؤدي إلى الصدام مع المجتمع. وحرص الغزالي على تحرير هذا المصطلح وفق المنظور القرآني الذي يجمع بين سيادة الشريعة وحق الأمة في إدارة شؤونها عبر المؤسسات الحديثة.
يرى الكتاب أن الغزالي نجح في إرساء 'فقه التكيف' مع مفردات العصر، مثل الديمقراطية والتعددية السياسية، من خلال تأصيلها داخل المرجعية الإسلامية. ولم يجد الغزالي حرجاً في اعتبار الديمقراطية وسيلة فعالة لتحقيق الشورى ومنع تغول السلطة، مما جعل فكره مظلة لتيار الاجتهاد والتجديد في الصحوة الإسلامية.
تميز منهج الغزالي في التغيير الاجتماعي بالواقعية والبعد عن العنف، حيث وضع قواعد ذهبية منها أن 'الإنسان الصالح هو صانع النهضة'. وآمن بأن بناء الدول يبدأ من إصلاح النفوس والمجتمعات، وأن القفز فوق السنن الكونية في التغيير يؤدي إلى كوارث سياسية واجتماعية تزيد من انكسار الأمة.
يستعرض الباحث أيضاً موقف الغزالي من 'الطاعة السياسية'، حيث رفض الطاعة العمياء للحكام المستبدين، معتبراً أن السكوت عن المنكر السياسي هو منكر أكبر. ومع ذلك، كان يوازن دائماً بين ضرورة التغيير وبين الحفاظ على بيضة الأمة، متجنباً الدعوات التي تؤدي إلى الفوضى أو تمزق النسيج المجتمعي.
تتجلى أهمية هذا الكتاب في كونه يستقرئ تراث الغزالي لمعالجة أزمات تاريخية مستمرة، مثل الانفصال بين القيادة الفكرية والقيادة السياسية في العالم الإسلامي. ويؤكد المؤلف أن رؤية الغزالي تساعد في حصر دائرة الخلافات المذهبية والطائفية، وتدفع نحو وعي وحدوي يمكن الأمة من مواجهة التحديات الخارجية والداخلية.
ختاماً، يخلص الكتاب إلى أن الغزالي كان سباقاً في تأصيل فكر سياسي إسلامي معاصر يتسم بالمرونة والمقاصدية، محولاً الفقه من نصوص جامدة إلى أدوات للإصلاح. إن إشاراته العابرة واجتهاداته الجريئة شكلت الأرضية الصلبة التي بنى عليها الباحثون اللاحقون لتطوير نظرية سياسية إسلامية تواكب الدولة الحديثة.





شارك برأيك
تأصيل الفكر السياسي عند الإمام محمد الغزالي: قراءة في أحدث الدراسات الإصلاحية