فلسطين

الخميس 11 يونيو 2026 6:58 مساءً - بتوقيت القدس

من غزة إلى ألبانيا.. كيف يعيد كوشنر صياغة 'المنطق الاستعماري' عبر صفقات العقارات الفاخرة؟

يسعى جاريد كوشنر، صهر الرئيس الأمريكي السابق ومبعوثه الخاص، رفقة زوجته إيفانكا ترامب، إلى تقديم مشروع استثماري في جزيرة سازان الألبانية كأنه 'اكتشاف' لجنّة مجهولة. هذا الخطاب يتجاهل حقيقة أن الجزيرة جزء أصيل من سيادة دولة وشعب، ولها تاريخ عسكري وجيوسياسي عريق، مما يعكس شعوراً بالاستحقاق يرى العالم كمجموعة من الأصول القابلة للاستحواذ.

تستخدم إيفانكا ترامب لغة ترويجية تركز على 'الصحوة الروحية' و'الاستدامة' لتغطية أهداف المشروع الحقيقية، في مشهد يذكر بالانفصال عن الواقع الذي عاشته الطبقات الأرستقراطية تاريخياً. وبينما يواجه المواطنون العاديون أزمات معيشية، يتم تصوير الاستيلاء على الجزر والموارد الطبيعية كرحلة استكشافية حافية القدمين على متن يخوت المليارديرات.

هذا المنطق الاستثماري ليس جديداً على كوشنر، فقد سبق وأن أبدى إعجابه بالإمكانات العقارية للواجهة البحرية في قطاع غزة. وفي الوقت الذي كان فيه الفلسطينيون يواجهون حرب إبادة وتدميراً شاملاً، كان كوشنر يتحدث عن 'القيمة العالية' لشواطئ غزة، واصفاً إياها بفرص استثمارية واعدة يجب استغلالها بعد 'التخلص' من العوائق البشرية.

تعد جزيرة سازان موقعاً استراتيجياً حساساً يقع بين البحرين الأدرياتيكي والمتوسط، وكانت لسنوات منطقة عسكرية محصنة بالأنفاق. ورغم هذه الأهمية الجيوسياسية، تركز العروض التقديمية للمشروع على مفاهيم 'العافية' و'اليقظة الذهنية'، مما يساهم في تغييب الأسئلة الجوهرية حول السيادة والأمن القومي لصالح الرفاهية المخصصة للنخبة العالمية.

يرتبط كوشنر بعلاقات وثيقة مع اليمين الإسرائيلي المتطرف، حيث تعد عائلته من الممولين البارزين للمشاريع الاستيطانية في الأراضي الفلسطينية المحتلة. هذا السياق يوضح أن رؤيته للعالم لا تنفصل عن دعم التوسع والسيطرة، سواء كان ذلك عبر الصفقات السياسية أو الضغوط الاقتصادية أو حتى القوة العسكرية عند الضرورة.

بدأت فكرة المشروع الألباني في عام 2021 خلال لقاء غير رسمي على متن يخت يملكه نات روتشيلد، وضم رئيس الوزراء الألباني إيدي راما. هذا النمط من اتخاذ القرارات بعيداً عن المؤسسات الديمقراطية والبرلمانات يعيد إلى الأذهان 'وعد بلفور'، حيث تقرر النخب في الكواليس مصير أراضٍ لا تملكها دون اعتبار لسكانها الأصليين.

يخشى الألبان أن تتحول بلادهم إلى ساحة لممارسات استعمارية حديثة تعتمد على المال والنفوذ بدلاً من الجيوش. وقد تعززت هذه المخاوف بعد قيام الحكومة الألبانية بتعديل قوانين حماية البيئة في عام 2024، في خطوة بدت وكأنها فُصلت خصيصاً لتسهيل مرور مشروع كوشنر الاستثماري على الأراضي المحمية.

تتضمن الاتفاقية المبرمة شروطاً تثير الجدل، من بينها إعفاء شركة كوشنر من الضرائب لمدة عشر سنوات كاملة. هذا يعني أن الخزانة العامة في ألبانيا لن تستفيد من المشروع خلال فترة البناء، مما يطرح تساؤلات كبرى حول الجدوى الاقتصادية الحقيقية للدولة مقابل التنازل عن جزيرة ذات أهمية استراتيجية وبيئية.

لم تكن تجربة كوشنر في البلقان خالية من العثرات، حيث اضطر للانسحاب من مشروع عقاري في صربيا عام 2025. جاء الانسحاب بعد ملاحقات قضائية لمسؤولين صرب بتهم إساءة استخدام السلطة والتزوير، ورغم محاولة الشركة تصوير الانسحاب كقرار أخلاقي، إلا أن التوقيت ربطه مباشرة بالتحقيقات الجنائية.

تعتمد شركة 'أفينيتي بارتنرز' التي يديرها كوشنر على تمويل ضخم من صناديق سيادية خليجية، لا سيما من السعودية وقطر والإمارات. هذا التداخل بين السلطة السياسية السابقة ورأس المال الأجنبي يضع المشروع في دائرة تضارب المصالح، حيث يتم استثمار أموال المنطقة في مشاريع يقودها من ساهموا في إعادة تشكيل سياساتها.

تشهد العاصمة الألبانية تيرانا احتجاجات واسعة عُرفت باسم 'ثورة الفلامنغو'، تعبيراً عن الرفض الشعبي للمساس بالموائل الطبيعية للطيور والمحميات البيئية. يحمل المتظاهرون شعارات تؤكد أن 'ألبانيا ليست للبيع'، في إشارة واضحة إلى رفضهم تحويل أراضي الدولة إلى صفقات خاصة تخدم النخب السياسية والمالية.

رد فعل الحكومة الألبانية على الاحتجاجات اتسم بالهجوم، حيث وصف رئيس الوزراء إيدي راما المظاهرات بأنها 'حرب هجينة' تشنها أطراف معادية. هذا الخطاب يهدف إلى شيطنة المعارضة الشعبية وربط المطالب المشروعة بحماية البيئة والسيادة بمؤامرات خارجية، بدلاً من الإجابة على تساؤلات المواطنين حول تفاصيل الصفقة.

يظهر إيدي راما ولاءً لافتاً للسياسات الإسرائيلية، وهو ما تجلى في تصريحاته خلال زيارته للكنيست وإشادته ببنيامين نتنياهو. هذا التوافق الأيديولوجي بين القيادة الألبانية والمهندسين السابقين للسياسات الأمريكية في الشرق الأوسط يسهل تمرير مشاريع عابرة للحدود تتجاوز المصالح الوطنية للشعوب.

في الختام، تظل جغرافيا المشاريع متغيرة بين غزة وصربيا وألبانيا، لكن المنطق المحرك لها يظل ثابتاً وقائماً على السيطرة والاستحواذ. إن ما يواجهه الألبان اليوم ليس مجرد بناء منتجع سياحي، بل هو مواجهة مع منظومة عالمية تعيد ترتيب الموارد والثروات بعيداً عن إرادة الشعوب وصوتها.

دلالات

شارك برأيك

من غزة إلى ألبانيا.. كيف يعيد كوشنر صياغة 'المنطق الاستعماري' عبر صفقات العقارات الفاخرة؟

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.