في السياسة الدولية، كلمة "لا" ليست مجرد موقف، بل اختبار قوة، وهذا تحديدا ما واجهته أوروبا عندما ضغطت ادارة ترامب باتجاه انخراط اوسع في الحرب على إيران، لكن المفاجأة لم تكن في الطلب الأمريكي، بل في الرد الأوروبي؛ تردد محسوب، رفض ناعم، وعدم الانجرار إلى حرب لا ترى فيها مصلحة استراتيجية مباشرة، بدت القارة العجوز وكأنها تخرج من تحت العباءة الأمريكية، ولو جزئيا، رافضة الانخراط في مسار تصعيدي تدفع نحوه ادارة ترامب، التي حاولت وتحاول تشكيل قواعد الاشتباك مع إيران عبر سياسة الضغط الاقصى.
الرفض الأوروبي - ظاهريا على الاقل - لم يكن تعبيرا عن مثالية سياسية او نزعة سلمية، بقدر ما كان انعكاسا لتحول بنيوي في إدراك المصالح، وتقدير الكلفة والمخاطر في بيئة دولية تزداد تعقيدا.
تاريخيا، ارتبطت أوروبا بالمظلة الأمريكية، غير ان هذا الارتباط لم يكن متوازنا دائما، فقد كشفت محطات كحرب العراق 2003 حدود الانسجام بين الطرفين، أوروبا تعلمت من أخطائها إثر هذه الحرب الفاشلة، حينها انقسمت العواصم الأوروبية بين تابع ومتحفظ، لكن النتيجة كانت واحدة، دفعت ثمنها العواصم الأوروبية قبل غيرها، سياسيا وأمنيا واجتماعيا، نتيجة انهيار الدولة العراقية، وفوضى اقليمية، وتهديدات امنية عابرة للحدود وما تبعها من موجات لجوء، فلم يعد من السهل اقناعها بان حربا جديدة في الشرق الاوسط ستكون مختلفة هذه المرة.
في الازمة الحالية، لم يكن الخلاف مع واشنطن مجرد اختلاف في الادوات، بل في تعريف التهديد نفسه، تمسكت أوروبا بالاتفاق النووي الإيراني 2015 ، ليس حبا بإيران، بل خوفا من البديل، حرب مفتوحة في منطقة هي اصلا على حافة الانهيار، فضلا عن تهديد الامن الأوروبي مباشرة، سواء عبر ازمة الطاقة او تداعيات الفوضى.
اقتصاديا، المصالح الأوروبية ليست تفصيلا هامشيا، أوروبا ليست جمعية خيرية، بل كتلة اقتصادية ضخمة تعتمد على استقرار الاسواق، ترتبط شركاتها باستثمارات وشراكات واسعة في المنطقة، وبالتالي فاتورة سياسية اقتصادية، ولا احد في لندن او برلين او باريس مستعد لدفعها فقط ارضاء لواشنطن، فضلا عن اقتصادات تعاني اصلا من تباطؤ نسبي وازمات هيكلية، ما يجعل خيار التهدئة ضرورة اكثر منه ترف سياسي.
داخليا، لم يعد الرأي العام الأوروبي يتقبل بسهولة التبرير لتدخلات عسكرية خارجية، بعد عقدين من الحروب الممتدة من العراق الى افغانستان، بات المزاج العام اقرب الى الشك من الحماسة، والسياسي الذي يتجاهل هذا المزاج يكتب نهايته بيده، وهو ما يضع صناع القرار امام معادلة دقيقة بين الالتزامات الاطلسية ومتطلبات الشرعية الداخلية.
مع ذلك، لا يمكن قراءة الموقف الأوروبي بوصفه قطيعة مع واشنطن، او تمرد أوروبي، بقدر ما هو محاولة لإعادة تعريف العلاقة على اسس اكثر توازنا، دعم حين تتقاطع المصالح، ورفض حين تصبح الكلفة اكثر من المكسب، وهو مسار يتقاطع مع نقاشات اوسع حول مفهوم السيادة الأوروبية في مجالات الدفاع والطاقة والسياسة الخارجية.
مستقبلا، سيبقى هذا التوازن الهش عرضة للاختبار مع كل ازمة جديدة في الشرق الاوسط او غيره، خاصة في ظل التحولات في بنية النظام الدولي وصعود قوى منافسة، غير ان قدرة أوروبا على الحفاظ على هذا النهج ستعتمد على مدى نجاحها في بناء ادوات قوة مستقلة، وتعزيز وحدتها الداخلية، وهو ما لم يتحقق بعد.
في المحصلة، لا تبدو أوروبا كمن شرب شراب الشجاعة بالمعنى الرومانسي، بقدر ما تبدو استوعبت دروسا مكلفة، ما جعلها أكثر شجاعة، لكنها شجاعة الامتناع وعدم التورط، والسؤال الاهم، هل يستمر مفعول الشراب وتكرر الـ "لا" مستقبلا؟ خاصة اذا ما تغيرت موازين القوة او تصاعد الضغط الأمريكي.
حتى الآن تبدو أوروبا كمن يسير على حبل مشدود، لا تريد خسارة واشنطن، ولا ان تبدو تابعة لها، توازن صعب، لكن الأصعب من ذلك، دوامه طويلا.
أقلام وأراء
الثّلاثاء 14 أبريل 2026 10:15 صباحًا - بتوقيت القدس





شارك برأيك
هل شربت أوروبا شراب الشجاعة؟