لم يكن فشل المفاوضات الأمريكية– الإيرانية حدثاً تقنياً عابراً كما أعلن عنه، ولا مجرد تعثر في نقاشات حول نسب تخصيب اليورانيوم، بل هو تعبير واضح عن انسداد أفق التسويات في الإقليم التي لا تريدها الولايات المتحدة ولا إسرائيل حتى تستمر ظاهرة الحروب قائمة لخدمة رؤية أصحاب اليمين الفاشي المتطرف للحفاظ على حكمهم، وانكشاف حدود الرهان على دبلوماسيتهم الكاذبة والخادعة خدمة لأهدافهم في صراعهم الدولي.
فمنذ انهيار الاتفاق النووي الإيراني عام ٢٠١٥ بعد انسحاب إدارة ترمب منه بضغط نتنياهو، لم تعد طهران ترى في واشنطن شريكاً موثوقاً، بل طرفاً يسعى لفرض شروط القوة تحت غطاء التفاوض أو التفاوض تحت تهديد النار كما ترغب الحركة الصهيونية بالمنطقة. في المقابل، لم تعد الولايات المتحدة قادرة على إنتاج اتفاق مستقر، في ظل قيود داخلية وضغوط إسرائيلية تدفع نحو إبقاء الصراع مفتوحاً دون حله في محاولة لترميم قدرة الردع في محاولات للحسم الفاشلة حتى اللحظة بما في ذلك بحق لبنان.
لكن الأهم من ذلك، أن هذا الفشل يكشف حقيقة أعمق، وهي اننا أمام صراع على شكل النظام الإقليمي، لا على تفاصيل برنامج نووي. واشنطن تريد شرق أوسط مضبوط الإيقاع ضمن منظومتها الأمنية ومصالحها الجيوسياسية وهيمنة أسرائيل، بينما تسعى إيران إلى تثبيت نفسها كقوة إقليمية مستقلة، تمتلك أدوات ردعها ونفوذها.
في هذا السياق، تتحول المفاوضات إلى مجرد أداة لإدارة الصراع، لا لإنهائه. فكل جولة تفاوضية غير ناجحة لا تعني بالضرورة خسارة، بل قد تكون إعادة تموضع، أو محاولة لكسب الوقت، أو تحسين شروط المواجهة القادمة. وهنا يكمن الخطر المتمثل ببقاء المنطقة تعيش على حافة الانفجار دون أن تنفجر، لكنها أيضاً دون أفق حقيقي للاستقرار.
بالنسبة لنا كفلسطينيين، لا يمكن النظر إلى هذا التعثر بمعزل عن قضيتنا الوطنية. فالتجربة التاريخية تقول، إنه كلما تصاعد التوتر بين الولايات المتحدة وإيران، تحولت فلسطين إلى ساحة توظيف سياسي، إما عبر التصعيد العسكري الإسرائيلي، أو عبر محاولات فرض وقائع جديدة على الأرض مستفيدة من دعم الولايات المتحدة لها ومن انشغال العالم بصراعات أكبر.
الأخطر من ذلك، أن استمرار هذا الصراع يعزز منطق "إدارة الأزمة" بدلاً من حلها، وهو المنطق ذاته الذي حكم التعامل الدولي مع قضيتنا الفلسطينية لعقود. مفاوضات بلا نتائج، تسويات مؤجلة، ووقائع ميدانية تتغير لصالح الأحتلال بغزة والضفة يوماً بعد يوم دون إنهاء الاحتلال الذي يشكل جذر معظم أزمات الإقليم.
وهنا باعتقادي، نكون نحن أمام واقع يثير سؤالا، اذ ما زال من المنطقي الرهان على مسار تسوية ترعاه الولايات المتحدة، في وقت تعجز فيه حتى عن إدارة تفاوض مستقر مع خصم إقليمي كإيران؟ أم أن هذا الفشل يجب أن يدفعنا لإعادة تعريف استراتيجيتنا الوطنية، بعيداً عن أوهام الحلول الجاهزة ؟
إن قراءة ما يجري تفرض علينا استخلاص امرا هام، انه في عالم يتجه نحو تعددية قطبية وصراعات مفتوحة، لا مكان للضعفاء الذين ينتظرون نتائج التفاوض، بل لمن يملكون أوراق القوة ويعرفون كيف يستخدمونها ويديرونها.
ففشل المفاوضات الأمريكية– الإيرانية ليس حدثاً بعيداً عنا، بل ما يعكس واقعاً أوسع يتمثل في نهاية مرحلة كاملة من الرهان على التسويات غير المتكافئة، وبداية مرحلة تتطلب إعادة بناء المشروع الوطني التحرري الفلسطيني على أسس امتلاك مصادر القوة والتأثير والقدرة على فرض المعادلة لا انتظارها.
إن ما نشهده اليوم ليس مجرد تعثر تفاوضي، بل لحظة كاشفة لمرحلة لا تعترف إلا بمن يملك القدرة على فرض موقعه في معادلة الصراع.
ولعل ما جرى مؤخراً في كنيسة القيامة وشوارع القُدس خلال احتفالات سبت النور ويوم عيد القيامة بما يحمله من معاني انتصار الحياة على الموت والحق على الباطل، من ممارسات قمعية واستهداف المصلين والمجموعات الكشفية وأبناء شعبنا، ليس حدثاً معزولاً عن ما يجري بالإقليم، بالإضافة الى ارتكاب مجازر جديدة في غزة وقتل متعمد في قرى الضفة، بل تجسيد مباشر لهذا الواقع، حين يغيب أي أفق للمساءلة أو السلام العادل، يتحول الاحتلال إلى قوة منفلتة تمارس إرهابها اليومي دون رادع.
أقلام وأراء
الإثنين 13 أبريل 2026 9:55 صباحًا - بتوقيت القدس





شارك برأيك
بين فشل التفاوض ووهم التسوية.. ماذا يعني لنا التعثر الأمريكي– الإيراني؟