تتسارع التحضيرات الدبلوماسية في العاصمة الباكستانية إسلام آباد لاستقبال وفدين رفيعي المستوى من الولايات المتحدة وإيران يوم الجمعة المقبل. تهدف هذه اللقاءات المباشرة إلى محاولة إنقاذ اتفاق وقف إطلاق النار الهش ومنع انزلاق المنطقة نحو مواجهة شاملة، في ظل وساطة باكستانية مكثفة تسعى لتقريب وجهات النظر بين الطرفين.
وعلى الرغم من الأجواء الدبلوماسية، خيمت لغة التهديد والوعيد على المشهد العام، مما يهدد بنسف التفاهمات الأولية قبل بدئها. وأفادت مصادر في الخارجية الإيرانية بأن واشنطن بدأت بالتنصل من التزاماتها السابقة، خاصة فيما يتعلق بشمول الساحة اللبنانية ضمن بنود اتفاق الهدنة المقترح، وهو ما تعتبره طهران شرطاً أساسياً للمضي قدماً.
من جانبه، أكد مصدر رفيع في الخارجية الباكستانية أن الرئيس الأمريكي دونالد ترمب تراجع بشكل مفاجئ عن إدراج لبنان في اتفاق التهدئة. وأوضح المصدر أن الوسيط الباكستاني كان قد تلقى تأكيدات سابقة بأن وقف إطلاق النار لمدة أسبوعين سيشمل الجبهة اللبنانية، إلا أن الموقف الأمريكي الأخير أحدث صدمة لدى الوسطاء.
وفي رسالة حازمة عبر منصته 'تروث سوشال'، شدد الرئيس الأمريكي دونالد ترمب على أن القوات العسكرية الأمريكية، بما في ذلك السفن والطائرات، ستظل في مواقعها القتالية حول إيران. وأشار ترمب إلى أن هذا الانتشار سيستمر حتى يتم التأكد من الامتثال الكامل والشامل للاتفاق الذي تم التوصل إليه، مما يعكس انعدام الثقة في الجانب الإيراني.
في المقابل، ربط الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان استقرار الممرات المائية الدولية بوقف العمليات العسكرية في المنطقة. وأبلغ بزشكيان رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف أن ضمان أمن مضيق هرمز وحرية الملاحة فيه مرهون بشكل مباشر بوقف كامل للاعتداءات التي تستهدف لبنان، مؤكداً وحدة الساحات في الرؤية الإيرانية.
ودخلت المؤسسة العسكرية الإيرانية على خط الأزمة، حيث أعلن الجيش الإيراني عن جاهزيته التامة لكافة السيناريوهات المحتملة. وصرح المتحدث باسم الجيش، محمد أكرمي نيا، بأن بلاده أجبرت الطرف الآخر على الجلوس إلى طاولة المفاوضات بفضل موقفها الحازم، مشيراً إلى أن شروط طهران هي جوهر أي نقاش مستقبلي.
وحذر أكرمي نيا من أن إيران تتعامل بحذر شديد مع المسار الدبلوماسي نظراً لتجاربها السابقة المريرة مع الوعود الأمريكية. وأكد أن القوات المسلحة الإيرانية مستعدة لخوض حرب طويلة الأمد في حال فشلت المفاوضات، واصفاً الجانب الأمريكي بأنه طرف غير موثوق، مستشهداً بما حدث في الاتفاق النووي وجولات التفاوض السابقة.
أعيننا على العدو، وأصابعنا على الزناد؛ نحن مستعدون لحرب طويلة في حال فشل المفاوضات.
وتشهد إسلام آباد استنفاراً أمنياً ودبلوماسياً لتأمين المحادثات التي وصفها رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف بأنها 'حدث تاريخي'. ويسعى شريف من خلال هذه الاستضافة إلى نزع فتيل أزمة إقليمية كبرى، داعياً كافة الأطراف إلى ضبط النفس ومنح فرصة حقيقية للسلام لتجنيب الإقليم ويلات حرب مدمرة.
وأعرب رئيس الوزراء الباكستاني عن استيائه من التصعيد العسكري الأخير في لبنان، مؤكداً أن الرواية الباكستانية تتطابق مع المطلب الإيراني بضرورة شمول لبنان في الهدنة. وترى باكستان أن هناك فرصة لتحويل وقف إطلاق النار المؤقت إلى اتفاق سلام دائم وشامل ينهي حالة الصراع المستمرة بين إيران من جهة والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى.
وتعمل الدبلوماسية الباكستانية بالتنسيق مع قوى إقليمية ودولية وازنة لضمان نجاح هذه الجولة، حيث تجري مشاورات مستمرة مع تركيا والصين والسعودية ومصر. وتهدف هذه التحركات إلى حشد دعم دولي للمبادرة الباكستانية وتوفير غطاء سياسي يضمن التزام الأطراف المتنازعة بما سيتم الاتفاق عليه في الغرف المغلقة.
ومن المقرر أن يترأس الوفد الأمريكي نائب الرئيس جيه دي فانس، في خطوة تعكس جدية البيت الأبيض في إدارة هذا الملف مباشرة. ويضم الوفد الأمريكي أيضاً شخصيات بارزة مثل جاريد كوشنر وستيف ويتكوف، مما يشير إلى رغبة واشنطن في ربط المسار السياسي بترتيبات إقليمية أوسع تشمل ملفات اقتصادية وأمنية.
أما الوفد الإيراني، فيقوده رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف ووزير الخارجية عباس عراقجي، وهو تمثيل يجمع بين الثقل التشريعي والدبلوماسي. وتعكس تشكيلة الوفد الإيراني رغبة طهران في إظهار وحدة الموقف الداخلي خلف المفاوض، مع التمسك بالثوابت العسكرية والسياسية التي أعلنتها القيادة الإيرانية مؤخراً.
ويبقى الترقب سيد الموقف في الأوساط الدولية لما ستسفر عنه لقاءات الجمعة، حيث يرى مراقبون أن الفجوة لا تزال واسعة بين مطالب الطرفين. فبينما تصر واشنطن على امتثال تقني وعسكري محدد، ترفض طهران أي اتفاق لا يضمن رفع التهديد عن حلفائها في المنطقة، مما يجعل مفاوضات إسلام آباد اختباراً حقيقياً لإرادة السلام.





شارك برأيك
إسلام آباد تحتضن مفاوضات إيرانية أمريكية مباشرة وسط تهديدات متبادلة بنسف الهدنة