لم تعد الدولة السورية اليوم مجرد جغرافيا متصدعة بفعل سنوات الحرب الطويلة، بل تحولت إلى ساحة مفتوحة لإعادة تعريف المفاهيم السياسية والأمنية الكبرى. تتقاطع فوق أراضيها المشاريع الدولية مع الهويات الصغرى، حيث تتصادم السرديات المختلفة تحت عناوين براقة ظاهرها الحماية الإنسانية وباطنها السعي نحو التفكيك الجيوسياسي.
إن الحديث عن تقسيم سوريا لم يعد مجرد ترف تحليلي أو توقعات بعيدة المدى، بل أصبح ضرورة ملحة لفهم ما يدار خلف الستار من ترتيبات إقليمية. وتبرز هنا خطورة استعادة نظريات قديمة في ثوب جديد، وعلى رأسها 'نظرية المحيط' التي صاغها بن غوريون، والتي يعيد الواقع الحالي إنتاجها في سياقات أكثر تعقيداً.
تعتمد نظرية المحيط في جوهرها على استراتيجية عميقة تستهدف تطويق المركز العربي من خلال بناء تحالفات وثيقة مع أطراف غير عربية أو مكونات مهمشة داخل هذا المركز. تهدف هذه الفكرة إلى استثمار التناقضات الداخلية وتغذية الهويات الفرعية لتحويلها إلى أدوات ضغط سياسية أو كيانات مستقلة وظيفياً تخدم أجندات خارجية.
اليوم، يبدو أن هذه النظرية تجد طريقها مجدداً إلى التطبيق العملي على الأرض السورية، ولكن عبر وسائل أكثر نعومة وخطاب يتسم بصبغة إنسانية. يبرز هذا بوضوح في التعامل مع المكون الدرزي وغيره من المكونات السورية التي وجدت نفسها فجأة وسط عاصفة من التحولات الكبرى والمشاريع العابرة للحدود.
أصبح خطاب 'الحماية' يتردد بكثافة ملحوظة في الآونة الأخيرة، ليس فقط من داخل الإقليم بل من قوى دولية فاعلة تطرح نفسها كضامن للأقليات. هذا الخطاب، رغم ما قد يحمله من ظلال إنسانية في ظاهره، يثير تساؤلات جوهرية حول الدوافع الحقيقية الكامنة وراءه وحدود توظيفه في مشاريع إقليمية أوسع.
تطرح التطورات الحالية تساؤلاً مصيرياً: هل نحن أمام رغبة حقيقية في حماية المكونات السورية، أم أننا نشهد إعادة إنتاج لوظيفة جيوسياسية تخدم خرائط نفوذ جديدة؟ إن الجغرافيا السورية التي كانت تمتاز بتماسكها رغم تنوعها، باتت اليوم أشبه بفسيفساء ممزقة تتنازعها القوى الدولية والإقليمية.
في هذا المشهد المعقد، تتداخل المصالح بشكل يجعل من كل مكون اجتماعي ورقة محتملة في لعبة سياسية كبرى تتجاوز الحدود المحلية. ويصبح الحديث عن حماية فئة معينة جزءاً من سردية أوسع قد تفضي في نهاية المطاف إلى إعادة رسم الحدود وفق منطق الهويات الطائفية والعرقية بدلاً من منطق الدولة.
إن التاريخ يعلمنا أن كثيراً من مشاريع التقسيم بدأت بشعارات إنسانية وانتهت بخرائط جديدة.
يكمن الخطر الحقيقي في هذا الطرح في بنيته العميقة التي تعيد صياغة العلاقة بين الدولة ومواطنيها على أسس غير وطنية. فبدلاً من أن تكون الدولة هي الحاضن الجامع لكل مواطنيها، يتم تصويرها ككيان هش، مما يفسح المجال لتقدم الهويات الفرعية للمطالبة بحمايات خاصة قد تكون خارجية المصدر.
هنا تتجلى خطورة استدعاء نظرية المحيط مجدداً، كونها تقوم أساساً على فكرة تفكيك الداخل الوطني من خلال تعزيز الارتباط بالخارج. إن هذا النهج يؤدي بالضرورة إلى إضعاف السيادة الوطنية وتحويل المكونات المجتمعية إلى رهائن للتجاذبات الدولية التي لا تراعي مصالح الشعوب بقدر ما تراعي مصالحها الخاصة.
يغفل الخطاب الإعلامي والسياسي المروج لفكرة الحماية عن السياق الاستراتيجي الأوسع، حيث يقدم المسألة كقضية حقوقية بحتة. إلا أن الواقع يشير إلى تداخل عميق بين ما هو إنساني وما هو سياسي، حيث تفقد الحماية براءتها عندما تتحول إلى ذريعة للتدخل في الشؤون السيادية للدول.
تقف سوريا حالياً عند مفترق طرق حاسم، حيث تتصارع مشاريع التفكيك الممنهج مع إرادة البقاء والوحدة الوطنية. إن الوعي بطبيعة هذه المشاريع وفهم أدواتها يمثل الخطوة الأولى والأساسية نحو مواجهتها وحماية ما تبقى من كيان الدولة السورية الموحدة.
يجب التأكيد على أن ليس كل خطاب يدعي الحماية هو خطاب بريء، وليس كل دعوة لإنقاذ أقلية تخلو من الأجندات السياسية المبيتة. فالتاريخ القريب والبعيد يعلمنا أن كثيراً من عمليات إعادة رسم الخرائط بدأت بشعارات إنسانية وانتهت بتمزيق النسيج الاجتماعي والجغرافي للأوطان.
إن استدعاء نظرية المحيط في السياق السوري الراهن يعكس تحولاً نوعياً في أدوات الصراع، من المواجهة العسكرية المباشرة إلى الاختراق الناعم للوعي والمجتمع. وهذا التحول يفرض على النخب الفكرية والسياسية ضرورة تقديم قراءات معمقة تتجاوز التحليلات السطحية للأحداث الجارية على الأرض.
في نهاية المطاف، تظل سوريا فكرة وهوية وتاريخاً لا يمكن اختزاله في مجرد خرائط ترسم على طاولات المفاوضات السياسية الدولية. وأي مشروع يهدف لتقسيمها، مهما تستر خلف شعارات الحماية، سيبقى مشروعاً فاشلاً لأنه يتجاهل حقيقة أن الجغرافيا لا تزدهر إلا بوحدتها، وأن الهويات لا تنمو إلا في ظل دولة جامعة.





شارك برأيك
سوريا ونظرية المحيط: هل يتحول خطاب 'الحماية' إلى أداة لتفكيك الجغرافيا؟