يبدو أن الخطاب السياسي الأمريكي المعاصر تجاه طهران بات يستحضر أدبيات الحرب الباردة وحرب الخليج الثانية، حيث استعار الرئيس دونالد ترامب تهديد 'العصر الحجري' الشهير الذي وجهه جيمس بيكر للعراق عام 1991. هذا التهديد لم يكن مجرد استعارة لفظية، بل كان برنامج عمل نفذته قوات التحالف حينها عبر تدمير شامل للمقدرات الاقتصادية والثقافية العراقية على مدار 43 يوماً من القصف المكثف.
لقد ركزت الاستراتيجية العسكرية الأمريكية في العراق على شل الحركة تماماً عبر قصف 154 جسراً حيوياً، كان أبرزها جسر 14 تموز المعلق في قلب بغداد. واليوم، يتكرر المشهد مع استهداف الطيران الأمريكي الإسرائيلي لجسر B1 في مدينة كرج الإيرانية، وهو مشروع استراتيجي بلغت تكلفته نحو 400 مليون دولار، مما يشير إلى نية تكرار سيناريو تحطيم البنية التحتية.
المخطط التاريخي لإضعاف الدول لم يقتصر على الجسور، بل امتد ليشمل الهوية التراثية، كما حدث عند استهداف متحف 'قائد النصر' الذي كان يضم كنوزاً بمليارات الدولارات. وتؤكد التقارير أن هذه العمليات كانت تهدف أيضاً للسيطرة على قطاعات الطاقة، عبر منح شركات أمريكية مثل 'هالبرتون' حقوق إعادة الإعمار وإطفاء آبار النفط المشتعلة.
رغم التشابه في الخطاب، إلا أن المعطيات الميدانية تظهر اختلافاً جوهرياً بين الحالة العراقية والإيرانية، خاصة فيما يتعلق بالقدرة على الردع الصاروخي. فبينما أطلق العراق 19 صاروخ 'سكود' محدودة الدقة والتأثير عام 1991، تمتلك طهران اليوم ترسانة صاروخية متطورة قادرة على إصابة أهداف دقيقة في عمق الكيان الصهيوني والقواعد الأمريكية.
تشير مصادر مطلعة إلى أن الحرس الثوري الإيراني وضع بنك أهداف يشمل جسوراً ومصافي نفط في دول الجوار، رداً على أي استهداف لبنيته التحتية. هذا التوجه يهدف إلى التأثير المباشر على أسواق الطاقة العالمية وتحريك الرأي العام الدولي ضد أي تصعيد عسكري واسع النطاق قد يخرج عن السيطرة.
القدرات الاستخباراتية الإيرانية مكنتها أيضاً من تحديد مراكز تكنولوجية وسيبرانية حساسة تابعة للولايات المتحدة أو شريكة لها في المنطقة. هذا التطور يجعل من أي مواجهة عسكرية مغامرة غير محسومة النتائج، حيث لن تقتصر الأضرار على طرف واحد بل ستطال المصالح الغربية بشكل مباشر ومؤلم.
على الرغم من التفوق الجوي الأمريكي الكاسح الذي قد يمكن واشنطن من تدمير المنظومات الدفاعية الإيرانية، إلا أن التكلفة الإقليمية ستكون باهظة. فإيران تتبنى استراتيجية 'الكل أو لا شيء'، حيث تسعى لجر المنطقة بأكملها إلى حالة من الفوضى الإنشائية في حال تعرضت لهجوم يهدد وجودها أو بنيتها الأساسية.
إن القدرات العسكرية الأمريكية تستطيع تقنياً إعادة إيران إلى العصر الحجري، لكن طهران لن تعاني وحدها، بل تصر على جر المنطقة بأكملها إلى المصير ذاته.
الموقف الخليجي يظهر تبايناً واضحاً في التعامل مع هذه الأزمة، حيث برزت أصوات تدعو للتهدئة والحلول السياسية كما فعلت سلطنة عمان ودولة قطر. هذه الدول فطنت مبكراً إلى أن استمرار الحرب لا يخدم سوى أجندات تسعى لإضعاف القدرات العسكرية والاقتصادية لجميع دول المنطقة دون استثناء.
في المقابل، تبرز مواقف تحريضية من أطراف أخرى، حيث دعا سفير الإمارات في واشنطن عبر مقال صحفي إلى استمرار العمليات العسكرية ضد التهديدات الصاروخية الإيرانية. هذه الدعوات تشمل الاستعداد للانضمام لمبادرات دولية لفتح مضيق هرمز بالقوة، مما يتقاطع مع مساعي الوساطة الإقليمية والدولية الرامية لنزع فتيل الانفجار.
إن الإدارة الأمريكية الحالية، بتركيبتها السياسية الداعمة للكيان الصهيوني، تبدو غير مبالية بالخسائر التي قد تلحق بدول المنطقة جراء القصف المتبادل. الهدف الاستراتيجي الأبعد قد يكون إعادة رسم خارطة النفوذ والثروات عبر استنزاف القوى الإقليمية في صراعات مدمرة وطويلة الأمد.
المجتمع الدولي، وخاصة الدول الأوروبية، يبدي تحفظاً واضحاً على المشاركة في أي عمل عسكري يفتقر للغطاء القانوني الدولي. هذا الامتناع من دول الناتو يعزز من ضرورة تبني دول المنطقة لموقف جماعي يرفض تقديم التسهيلات اللوجستية لأي عدوان قد يؤدي إلى كارثة إقليمية شاملة.
إن العصر الحجري الذي يلوح في الأفق ليس مجرد تهديد لإيران وحدها، بل هو خطر يهدد المكتسبات التنموية التي حققتها دول الخليج والمنطقة على مدار عقود. فالحروب الحديثة لا تفرق بين الأهداف العسكرية والمدنية عندما يتعلق الأمر بكسر إرادة الدول وتحطيم اقتصادياتها.
يظل صوت العقل والحكمة هو المطلب الملح في هذه المرحلة الحرجة، عبر الاتجاه نحو تسويات سياسية شاملة تنهي حالة العدوان والتوتر. إن استمرار التصعيد العسكري الأمريكي الإسرائيلي لن يؤدي إلا إلى مزيد من الدمار الذي قد لا تنجو منه أي عاصمة في المنطقة، بغض النظر عن موقعها من الصراع.
في الختام، فإن المقارنة بين بيكر وترامب تكشف عن عقلية استعمارية ثابتة ترى في تدمير البنى التحتية وسيلة للسيطرة السياسية. لكن المتغيرات الحالية، من تكنولوجيا الصواريخ إلى تشابك المصالح الاقتصادية، تجعل من تنفيذ هذا التهديد مقامرة قد تعيد الجميع، وليس إيران وحدها، إلى عصور ما قبل الحداثة.





شارك برأيك
من بيكر إلى ترامب: هل تنجح واشنطن في إعادة المنطقة إلى 'العصر الحجري'؟