كشفت تقارير اقتصادية دولية عن تحولات حادة في سوق سندات الخزانة الأمريكية، بالتزامن مع تصاعد النزاع المسلح في منطقة الشرق الأوسط. وأشارت البيانات إلى أن عوائد السندات لأجل عشر سنوات قفزت بنحو 50 نقطة أساس منذ اندلاع المواجهات، مما يعكس حالة من القلق والارتباك في الأسواق المالية العالمية تجاه الأصول السيادية الأمريكية.
وأفادت مصادر مطلعة بأن البنوك المركزية حول العالم اتجهت لتسييل جزء من حيازاتها، حيث بلغت قيمة المبيعات نحو 82 مليار دولار منذ بدء الحرب. وقد أدى هذا التحرك إلى تراجع إجمالي حيازات هذه البنوك إلى 2.7 تريليون دولار، وهو المستوى الأدنى المسجل منذ عام 2012، مما يضع ضغوطاً إضافية على الدولار في ظل الاضطرابات الجيوسياسية.
ويرى محللون أن لجوء البنوك المركزية لبيع السندات لا يعبر بالضرورة عن موقف سياسي معادٍ لواشنطن، بل يعكس حاجة ملحة لتوفير سيولة نقدية وبناء احتياطيات مالية لمواجهة الطوارئ. وتتزامن هذه التحركات مع توجه بعض المصارف المركزية، مثل البنك المركزي البولندي، نحو تعزيز احتياطيات الذهب كبديل آمن في أوقات الحروب وعدم الاستقرار الاقتصادي.
وفي سياق متصل، تبرز مطالبة إيران بدفع رسوم المرور عبر مضيق هرمز باليوان الصيني أو العملات الرقمية كعامل ضغط جديد على هيمنة العملة الأمريكية. وتترافق هذه الخطوات مع حملات إعلامية دولية تشكك في استقرار النظام المالي القائم على الدولار، مما يثير تساؤلات حول مستقبل السندات الأمريكية كملجأ آمن للمستثمرين الدوليين.
لكن المفارقة تكمن في ظهور لاعبين جدد يتجاوز تأثيرهم البنوك المركزية التقليدية، وهم مدراء صناديق التحوط، لا سيما تلك المسجلة في جزر كايمان. وتشير الدراسات المالية إلى أن هذه الصناديق زادت من حيازاتها بشكل ضخم منذ عام 2018، مستغلة الفجوات السعرية بين العقود الآجلة والأسعار الفورية في صفقات معقدة.
وبحلول أواخر عام 2025، وصلت قيمة مراكز الشراء لدى هذه الصناديق إلى 2.4 تريليون دولار، وهو ما يعادل ثلاثة أضعاف مستوياتها قبل ثلاث سنوات فقط. ويعكس هذا النمو الهائل تحولاً في هيكلية ملكية الدين الأمريكي، حيث باتت صناديق التحوط تلعب دوراً محورياً في توفير السيولة التي انسحبت منها أطراف دولية أخرى.
وعلى النقيض من ذلك، تراجعت حصة المستثمرين الأجانب التقليديين من إجمالي سندات الخزانة الأمريكية إلى ما دون 30%، بعد أن كانت تشكل نحو 46% في عام 2008. وتصدرت الصين قائمة الدول التي خفضت مشترياتها بشكل ملحوظ، مما يشير إلى رغبة في تقليل الاعتماد على الأصول المقومة بالدولار في ظل التوترات السياسية القائمة.
جزر كايمان هي في الواقع أكبر حائز أجنبي لسندات الخزانة الأمريكية، إذ تمتلك حصة أكبر بكثير من الصين واليابان والمملكة المتحدة.
وتشير تقديرات خبراء في الاحتياطي الفيدرالي إلى أن جزر كايمان باتت فعلياً أكبر حائز أجنبي للسندات الأمريكية، متفوقة على قوى اقتصادية كبرى مثل اليابان والمملكة المتحدة. ووفقاً للبيانات، فقد استحوذت صناديق التحوط على نحو 37% من صافي إصدارات السندات بين عامي 2022 و2024، وهي نسبة توازي مشتريات بقية المستثمرين الأجانب مجتمعين.
ولا يقتصر هذا النشاط المكثف لصناديق التحوط على السوق الأمريكية فحسب، بل امتد ليشمل السندات الحكومية اليابانية التي شهدت زيادة هائلة في المشتريات. ومع ذلك، يظل التركيز منصباً على الساحة الأمريكية نظراً لارتباطها المباشر بتمويل العجز الفيدرالي وتأثيرها المباشر على معدلات الفائدة العالمية.
ويرى خبراء ماليون، من بينهم كين غريفين رئيس شركة سيتادل أن دور صناديق التحوط ساهم في تخفيف حدة الصدمات الناتجة عن تخلي الاحتياطي الفيدرالي عن سياسة التيسير الكمي. فقد وفرت هذه الصناديق السيولة اللازمة للسوق في وقت قلصت فيه البنوك الكبرى أنشطتها التقليدية، مما حافظ على توازن نسبي في أسعار الفائدة.
ومع ذلك، يحذر مراقبون من أن هذا الاستقرار قد يكون هشاً، لأن قرارات صناديق التحوط مبنية على حسابات ربحية بحتة وليست اعتبارات استراتيجية طويلة الأمد. فإذا تغيرت الأساسيات الاقتصادية، مثل ارتفاع مفاجئ في أسعار الفائدة، قد تتجه هذه الصناديق نحو خروج جماعي وسريع، مما يهدد بانهيار مالي يشبه ما حدث في بداية جائحة كورونا.
وتتجه الأنظار حالياً نحو وزير الخزانة سكوت بيسنت، الذي يواجه تحدياً هائلاً يتمثل في إعادة تمويل نحو 10 تريليونات دولار من الدين العام خلال العام المقبل. وتتطلب هذه المهمة الحفاظ على هدوء الأسواق وجذب المستثمرين، وهو أمر يزداد صعوبة مع استمرار التوترات العسكرية في المنطقة وتأثيرها على معدلات التضخم.
ورغم أن السوق لم يشهد تصفية جماعية للمراكز المالية عند بداية الحرب على إيران، إلا أن المخاوف تظل قائمة من حدوث صدمات جيوسياسية غير متوقعة. ويؤكد خبراء أن استمرار الحرب لفترة طويلة قد يدفع المستثمرين طويلي الأمد، مثل شركات التأمين، إلى إعادة تقييم مخاطر الاحتفاظ بالسندات الأمريكية في محافظهم الاستثمارية.
في الختام، يبدو أن استقرار الاقتصاد الأمريكي بات مرتبطاً بشكل وثيق بتحركات صناديق التحوط في الملاذات الضريبية بقدر ارتباطه بالقرارات السياسية في واشنطن. وسيكون على المستثمرين مراقبة تطورات الجبهة الإيرانية وجزر كايمان معاً، لضمان فهم شامل للمخاطر التي قد تعصف بسوق السندات العالمي في الأشهر القادمة.





شارك برأيك
زلزال السندات الأمريكية: كيف تعيد الحرب في الشرق الأوسط تشكيل خارطة الديون العالمية؟