تحليل

الأربعاء 01 أبريل 2026 11:48 مساءً - بتوقيت القدس

نيويورك تايمز: على ترامب مقايضة 'بقاء النظام الإيراني' باليورانيوم المخصب

في ظل التعقيدات العسكرية المتزايدة بين واشنطن وطهران، برزت دعوات من داخل النخبة التحليلية الأمريكية تطالب الرئيس دونالد ترامب بإعادة تقييم أهدافه الاستراتيجية. واعتبر الكاتب توماس فريدمان في مقال بصحيفة 'نيويورك تايمز' أن المخرج الوحيد المتاح حالياً هو تأمين مخزون اليورانيوم المخصب الذي تملكه إيران، بدلاً من التمسك بوهم تغيير النظام الذي أثبتت الوقائع صعوبة تحقيقه.

وأشار فريدمان إلى أن ترامب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو شنا حرباً على إيران بافتراضات خاطئة حول سهولة إسقاط السلطة هناك. وقد أدى هذا التقدير الخاطئ إلى الاستهانة بقدرة القيادة الإيرانية على الصمود العسكري، وقدرتها على تهديد حلفاء أمريكا وإغلاق أهم الممرات المائية لنقل الطاقة في العالم، مما يضع الاقتصاد العالمي في مهب الريح.

وتطرق المقال إلى التخبط الذي يعيشه البيت الأبيض، حيث يطلق ترامب تصريحات متناقضة حول قرب النصر تارة، وعجزه عن استعادة السيطرة على مضيق هرمز تارة أخرى. هذا الارتباك يعكس غياب خطة واضحة لما بعد التصعيد العسكري، مما جعل الإدارة الأمريكية تبدو وكأنها تضع أقوى جيش في العالم في بيئة شديدة الانفجار دون أدنى احتياطات أمنية.

وانتقد فريدمان بشدة التشكيلة الحكومية المحيطة بترامب، واصفاً إياها بأنها اختيرت بناءً على الولاء الشخصي لا الكفاءة أو الالتزام بالدستور. وسلط الضوء على وزير الدفاع بيت هيغسيث، مشيراً إلى تقارير حول تبنيه معتقدات دينية متطرفة تدعو إلى ممارسة 'عنف ساحق' ضد الخصوم، مما يحول الصراع السياسي إلى مواجهة عقائدية خطيرة.

وفيما يخص الحل المقترح، يرى الكاتب ضرورة تبسيط المطالب الأمريكية لتقتصر على بندين جوهريين يضمنان الأمن الإقليمي. البند الأول هو تخلي طهران عن أكثر من 950 رطلاً من اليورانيوم عالي التخصيب، مقابل البند الثاني وهو تقديم ضمانات أمريكية رسمية بعدم السعي لإسقاط النظام الإيراني أو استهداف استقراره السياسي.

هذه المقايضة، حسب المقال، ستؤدي إلى إنهاء كافة الأعمال العدائية المتبادلة، بما في ذلك القصف الجوي والصواريخ الباليستية وحصار الممرات البحرية. كما ستجنب الولايات المتحدة الانزلاق إلى حرب برية على الأراضي الإيرانية، وهي الخطوة التي يخشاها الجميع لما لها من تبعات كارثية على استقرار الشرق الأوسط برمته.

ونقل فريدمان عن البروفيسور جون أركويلا قوله إن جوهر الصراع يكمن في رغبة النظام الإيراني بالبقاء، مقابل رغبة واشنطن وإسرائيل في منع القنبلة النووية. ويرى أركويلا أن الطرفين يمكنهما تحقيق أهدافهما الأساسية إذا امتلكا الشجاعة للتنازل عن الأهداف الثانوية التي تعيق الوصول إلى تسوية شاملة ومستدامة.

ويبدو أن ترامب بدأ بالفعل في تمهيد الطريق لهذا التراجع التكتيكي، حيث وصف القادة الإيرانيين مؤخراً بأنهم 'عقلانيون للغاية' في تصريحات مفاجئة للصحفيين. واعتبر فريدمان أن هذا الوصف ليس إلا غطاءً لمحاولة واشنطن وإسرائيل التستر على المبالغة في تقدير قدرتهما على حسم الصراع عبر القوة الجوية وحدها دون تدخل بري.

وتشير المعلومات المسربة إلى وجود قنوات تفاوض خلفية تجري عبر باكستان، حيث يتواصل فريق ترامب مع رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف. ويُعتقد أن قاليباف، الذي يمتلك نفوذاً واسعاً داخل الحرس الثوري، قد يكون الطرف القادر على إبرام صفقة تضمن بقاء النظام مقابل تقديم تنازلات جوهرية في الملف النووي.

وقارن المقال بين نهج ترامب المتهور وسياسة الرئيس الأسبق باراك أوباما التي كانت تعتمد على فهم عميق لتعقيدات المشهد الإيراني. فقد نجح اتفاق عام 2015 في وضع قيود صارمة على برنامج التخصيب، مما جعل إيران بعيدة عن القنبلة النووية بمسافة زمنية كافية للرد الدولي، وهو ما دمره ترامب بانسحابه الأحادي.

وبعد سنوات من سياسة 'الضغوط القصوى'، وجدت الولايات المتحدة نفسها أمام واقع مرير، حيث تقلصت المدة التي تحتاجها إيران لصنع سلاح نووي من عام كامل إلى أسابيع قليلة. هذا الفشل الاستراتيجي يضع إدارة ترامب الحالية أمام خيارات صعبة، أحلاها مر، في ظل غياب أي بديل فعال للاتفاق الذي تم تمزيقه في 2018.

ويشدد فريدمان على أن تبسيط المشكلة هو السبيل الوحيد للحل، من خلال تقديم ضمانات بوقف تدمير البنية التحتية الإيرانية وتخفيف العقوبات النفطية الخانقة. في المقابل، يجب على طهران تسليم كافة المواد الانشطارية التي يمكن استخدامها في الأسلحة النووية تحت إشراف دولي صارم يضمن عدم العودة للتصعيد مجدداً.

إن نجاح هذه الرؤية يعتمد بشكل كلي على قبول القادة الإيرانيين لهذه الصفقة، وهو أمر يضع مصير ترامب السياسي في أيدي خصومه اللدودين في طهران. واعتبر الكاتب أن وصول الأمور إلى هذا الحد هو دليل دامغ على فشل السياسة الخارجية الأمريكية التي اعتمدت على التهديد دون امتلاك أدوات التنفيذ الحقيقية.

في الختام، يحذر فريدمان من أن الاستمرار في نهج 'تغيير النظام' سيؤدي حتماً إلى حرب إقليمية شاملة لن يخرج منها أحد منتصراً. لذا، فإن العودة إلى منطق المصالح المتبادلة وتأمين الملف النووي كأولوية قصوى هو الخيار العقلاني الوحيد المتبقي لتجنب انفجار كبير في منطقة لا تحتمل المزيد من الأزمات.

دلالات

شارك برأيك

نيويورك تايمز: على ترامب مقايضة 'بقاء النظام الإيراني' باليورانيوم المخصب

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.