واشنطن - سعيد عريقات - 1/4/2026
أثار الرئيس الأميركي السابق دونالد ترمب جدلاً واسعاً بعد تلميحه إلى احتمال انسحاب الولايات المتحدة من حلف شمال الأطلسي (الناتو)، في تصريحات أدلى بها لصحيفة بريطانية. وجاءت هذه الإشارات في سياق انتقاداته المتكررة لما وصفه بضعف دعم الدول الأعضاء خلال التصعيد العسكري مع إيران، ما يعكس توتراً متصاعداً في العلاقة بين واشنطن وحلفائها التقليديين.
وفي مقابلة مع صحيفة "التلغراف" البريطانية يوم الأربعاء، لم يكتفِ ترمب بالتشكيك في جدوى الحلف، بل ذهب إلى أبعد من ذلك، واصفاً إياه بأنه "نمر من ورق"، معتبراً أن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يدرك هشاشته. هذه التصريحات تعكس موقفاً قديماً لترمب، الذي طالما انتقد ما يعتبره اختلالاً في تقاسم الأعباء داخل الحلف، واتهامه الدول الأوروبية بالاعتماد المفرط على القدرات العسكرية الأميركية.
وجاءت تصريحات ترمب في وقت أبدت فيه دول الناتو تردداً في الانخراط عسكرياً لإعادة فتح مضيق هرمز، الذي أغلقته إيران رداً على هجمات أميركية-إسرائيلية. ويُعد المضيق شرياناً حيوياً لإمدادات الطاقة العالمية، ما يضع الحلف أمام اختبار صعب بين تجنب التصعيد العسكري وحماية المصالح الاقتصادية.
وفي سلسلة من التصريحات والتدوينات عبر منصة "تروث سوشيال"، صعّد ترمب لهجته، داعياً الدول الأوروبية إلى "تعلم القتال دفاعاً عن نفسها"، ومشيراً إلى أن الولايات المتحدة قد لا تكون مستعدة للاستمرار في لعب دور الضامن الأمني التقليدي. هذا الخطاب يضعف من مبدأ “الدفاع الجماعي” الذي يقوم عليه الحلف، خصوصاً المادة الخامسة التي لم تُفعّل تاريخياً إلا بعد هجمات 11 أيلول 2001.
ورغم تأكيد الحلفاء، ومنهم رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر، على أهمية الناتو باعتباره "التحالف العسكري الأكثر فعالية في التاريخ"، فإن التباينات ظهرت بوضوح في المواقف من الحرب مع إيران. فقد رفضت بريطانيا في البداية استخدام قواعدها لشن هجمات، قبل أن تنخرط لاحقاً في عمليات دفاعية بعد استهداف أصولها في المنطقة.
كما لم تسلم لندن من انتقادات ترمب، الذي سخر من قدراتها البحرية ومن سياسات الطاقة النظيفة التي تتبناها الحكومة البريطانية، في تصريحات تعكس توتراً شخصياً وسياسياً متزايداً بين الجانبين.
وتعكس تصريحات ترمب تحوّلاً أعمق في الرؤية الأميركية لدورها العالمي، حيث يتزايد الاتجاه نحو تقليص الالتزامات العسكرية الخارجية لصالح التركيز على المصالح الوطنية المباشرة. هذا التوجه، إن تُرجم إلى سياسات فعلية، قد يعيد تشكيل النظام الأمني الدولي الذي تأسس بعد الحرب العالمية الثانية. كما أنه يضع الحلفاء الأوروبيين أمام معضلة إستراتيجية تتعلق بقدرتهم على ملء الفراغ المحتمل في حال تراجع الدور الأميركي، سواء من حيث القدرات العسكرية أو الإرادة السياسية الجماعية.
من جهة أخرى، يكشف التردد الأوروبي في الانخراط في مواجهة مباشرة مع إيران عن فجوة مستمرة بين ضفتي الأطلسي في تقييم التهديدات وأولويات الأمن القومي. فبينما ترى واشنطن في التحرك العسكري وسيلة لفرض الردع، تميل العواصم الأوروبية إلى تجنب التصعيد، خوفاً من تداعياته الاقتصادية والأمنية. هذا التباين لا يقتصر على الأزمة الحالية، بل يعكس نمطاً متكرراً في إدارة الأزمات الدولية، ما يضعف من تماسك الحلف على المدى الطويل.
أما على مستوى العلاقات الثنائية، فإن استهداف ترمب المباشر لبريطانيا ورئيس وزرائها يسلّط الضوء على تراجع ما كان يُعرف بـ"العلاقة الخاصة" بين البلدين. فبدلاً من التنسيق الوثيق، باتت العلاقة تشهد توترات علنية تعكس اختلافات في الرؤى حول قضايا الأمن والطاقة والسيادة. وإذا استمر هذا الاتجاه، فقد تجد لندن نفسها مضطرة لإعادة تقييم موقعها بين واشنطن وبروكسل، في محاولة لتحقيق توازن دقيق بين التحالفات التقليدية والمصالح الوطنية.





شارك برأيك
ترمب يلوّح بالانسحاب من الناتو وسط تصاعد التوتر مع الحلفاء