واشنطن – سعيد عريقات-30/3/2026
تحليل إخباري
تشهد الساحة في جنوب لبنان تصعيداً عسكرياً متسارعاً، يتجاوز في طبيعته العمليات المحدودة نحو نمطٍ أقرب إلى إعادة تشكيل جغرافيا الصراع. فمع تدمير جسور حيوية ومنازل سكنية، وتشريد أكثر من مليون شخص، تتجه المؤشرات إلى محاولة فرض واقع أمني جديد عبر إنشاء "منطقة أمنية" إسرائيلية تمتد على مساحات واسعة، ولفترة غير محددة. هذا التوجه يثير مخاوف متزايدة من تكرار سيناريو قطاع غزة، حيث تحوّلت العمليات العسكرية إلى سياسة طويلة الأمد لإعادة رسم السيطرة الميدانية.
وتُظهر صور الأقمار الصناعية (وفق ما نشرته شبكة إن.بي.سي نيوز NBC News الأميركية) بشكل واضح التواجد العسكري الإسرائيلي داخل الجنوب اللبناني، بما في ذلك تعزيز قواعد قائمة ونشر دبابات في نقاط استراتيجية. كما أن استهداف الجسور، خصوصاً على نهر الليطاني، لا يبدو مجرد تكتيك عسكري، بل خطوة تهدف إلى عزل الجنوب عن بقية البلاد، ما يعمّق الأزمة الإنسانية ويعقّد جهود الإغاثة. وفي هذا السياق، تتقاطع المعطيات الميدانية مع تصريحات رسمية إسرائيلية تؤكد نية البقاء العسكري، ما يضع لبنان أمام احتمال مواجهة واقع احتلالي جديد.
كما يواكب التدهور الإنساني هذا التصعيد بوتيرة مقلقة. فشهادات عمال الإغاثة تشير إلى نزوح متكرر للسكان في ظل ضربات غير متوقعة، ما يعزز الإحساس بانعدام الأمان الكامل. وقد عبّر مسؤولون أمميون عن خشيتهم من أن يتحول الجنوب اللبناني إلى نسخة أخرى من غزة، خاصة مع تزايد أعداد الضحايا واتساع رقعة الدمار. هذه التحذيرات تعكس قلقاً دولياً من انزلاق الوضع نحو كارثة إنسانية مفتوحة.
في المقابل، تبرر إسرائيل عملياتها بأنها تستهدف "حزب الله"، في إطار حماية أمنها القومي، خاصة بعد تصاعد التوتر الإقليمي المرتبط بالحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران. غير أن هذا التبرير يواجه انتقادات حادة من منظمات حقوقية، التي ترى أن نمط العمليات يتجاوز الأهداف العسكرية ليشمل تدميراً واسعاً للبنية المدنية، وهو ما قد يرقى إلى انتهاكات للقانون الدولي الإنساني. كما أن الحديث عن استخدام الفوسفور الأبيض يزيد من حدة الجدل حول شرعية هذه العمليات.
تاريخياً، لا يمكن فصل ما يجري اليوم عن سياق الصراع الطويل في جنوب لبنان، حيث سبق لإسرائيل أن احتلت المنطقة حتى عام 2000، وشهدت الحدود مواجهات متكررة منذ ذلك الحين. إلا أن ما يميز المرحلة الحالية هو تداخلها مع صراعات إقليمية أوسع، ما يرفع من احتمالات تحولها إلى نزاع مفتوح متعدد الأطراف، خاصة مع استمرار التوتر بين إسرائيل وإيران.
وفي ظل هذا المشهد، يبدو أن لبنان يقف أمام مفترق طرق حرج؛ فبين ضغوط داخلية لنزع سلاح "حزب الله" وتحديات خارجية تتمثل في العمليات العسكرية الإسرائيلية، تتآكل قدرة الدولة على فرض سيادتها الكاملة. ومع غياب أفق سياسي واضح، تبقى المخاوف من استمرار النزاع وتوسعه قائمة، ما ينذر بتداعيات طويلة الأمد على الاستقرار الإقليمي.
وتتجاوز الاستراتيجية الإسرائيلية في جنوب لبنان مجرد الرد العسكري إلى محاولة فرض معادلة ردع جديدة قائمة على "الأرض مقابل الأمن". فاستحداث منطقة أمنية دائمة يعكس تحوّلاً من سياسة الاحتواء إلى سياسة السيطرة المباشرة، وهو ما قد يعيد إنتاج تجربة الاحتلال السابقة ولكن بأدوات مختلفة. هذه المقاربة تحمل في طياتها مخاطر تصعيد دائم، إذ إنها قد تدفع الأطراف المحلية، وعلى رأسها حزب الله، إلى تبني استراتيجيات أكثر عدوانية، ما يخلق حلقة مفرغة من العنف يصعب كسرها.
من جهة أخرى، يبرز البعد الإنساني كأحد أكثر جوانب الأزمة تعقيداً. فالتدمير المنهجي للبنية التحتية، إلى جانب النزوح الجماعي، لا يؤدي فقط إلى معاناة فورية، بل يهدد أيضاً بإحداث تغييرات ديموغرافية طويلة الأمد. ومع غياب خطط إعادة إعمار واضحة، قد تتحول المناطق المتضررة إلى فراغات سكانية، ما يفتح الباب أمام إعادة تشكيل جغرافية الجنوب بما يخدم أهدافاً استراتيجية بعيدة المدى.
أما على المستوى الدولي، فإن ردود الفعل حتى الآن تبدو محدودة التأثير، رغم التحذيرات الصريحة من الأمم المتحدة. ويعكس ذلك حالة من العجز أو التردد في التعامل مع صراع يتشابك فيه المحلي بالإقليمي والدولي. وفي حال استمرار هذا النهج، قد يجد المجتمع الدولي نفسه أمام واقع جديد مفروض بالقوة، حيث تصبح "المناطق الأمنية" أمراً واقعاً، بما يحمله ذلك من تداعيات خطيرة على قواعد القانون الدولي ومستقبل الاستقرار في الشرق الأوسط.





شارك برأيك
جنوب لبنان بين "النموذج الغزّي" والواقع الميداني: حرب تتسع ومخاوف من احتلال طويل