تصاعدت حدة التوترات بين ضفتي الأطلسي عقب انتقادات حادة وجهها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب للقادة الأوروبيين، متهماً إياهم بالتقاعس عن حماية الممرات المائية الحيوية. وأشار ترامب إلى أن رفض أوروبا المشاركة في تأمين مضيق هرمز هو السبب المباشر لارتفاع أسعار الطاقة التي ترهق كاهل مواطنيهم، واصفاً الموقف الأوروبي بالمتناقض.
ووضعت هذه الضغوط العواصم الأوروبية في مأزق مزدوج، حيث يواجه القادة خطر اندلاع احتجاجات شعبية في حال الانجرار إلى مواجهة عسكرية تقودها واشنطن ضد إيران. وفي الوقت ذاته، تعاني القارة من تداعيات اقتصادية قاسية نتيجة الإغلاق الفعلي للممر المائي الاستراتيجي، مما أدى إلى قفزات غير مسبوقة في أسعار الوقود.
وأفادت مصادر بأن إغلاق إيران للمضيق تسبب في أزمة طاقة حادة، حيث تجاوز سعر لتر البنزين في ألمانيا حاجز اليوروين، ما دفع الحكومات لفرض سقوف سعرية باهظة التكلفة. وتتزايد الرياح السياسية المعارضة للحرب داخل القارة، خاصة من قبل التيارات اليسارية التي تعتبر أي تحرك عسكري غير قانوني ومهدداً للنمو الاقتصادي الهش.
وفي إيطاليا، بدأت التداعيات السياسية تظهر بوضوح، حيث تعرضت رئيسة الوزراء جورجيا ميلوني لانتكاسة سياسية عقب خسارتها استفتاءً قضائياً. ويربط محللون هذا التراجع بالانطباع السائد حول قربها من ترامب، الذي يفتقر للشعبية في الأوساط الإيطالية، خاصة وأنه لم ينسق معها قبل اندلاع الأزمة الأخيرة.
أما في فرنسا، فقد استثمر حزب 'فرنسا غير المنحنية' المعارض للتدخلات العسكرية في الشرق الأوسط حالة الغضب الشعبي لتحقيق مكاسب في انتخابات البلديات. ويرى مراقبون أن الحزب نجح في استقطاب أصوات الناخبين الغاضبين من الانجرار خلف السياسات الأمريكية، رغم الجدل القانوني الذي يحيط ببعض أعضائه.
وعلى الصعيد الدبلوماسي، يسود شعور بالإحباط في لندن وبرلين بسبب غياب التنسيق الأمريكي، حيث لم يتم إبلاغ الحلفاء مسبقاً بالعمليات العسكرية المشتركة بين الولايات المتحدة ودولة الاحتلال. وزاد من تعقيد المشهد الإهانات الشخصية التي وجهها ترامب لرئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر، مقللاً من شأن دوره القيادي.
ويرى خبراء عسكريون أن مساهمة أوروبا في أي عملية عسكرية قد تقتصر على نشر كاسحات ألغام أو سفن مرافقة، لكن القيمة الحقيقية التي ينشدها ترامب هي الغطاء السياسي. وأوضح جنرال فرنسي متقاعد أن ترامب يسعى لإجبار أوروبا على تحمل المسؤولية السياسية للحملة دون تقديم خطة واضحة للخروج من النزاع.
الأوروبيون يُظهرون ضعفهم على مستويات عديدة، ونحن في حالة صدمة تامة مما يحدث جراء الانقسامات الراهنة.
وفي ظل هذا الانسداد، يقود الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون تحركات سرية في أروقة الأمم المتحدة لبلورة خطة دولية تضمن إبقاء المضيق مفتوحاً بعد انتهاء النزاع الحالي. وتدرس مفوضية الاتحاد الأوروبي إمكانية توسيع مهام الحماية البحرية القائمة بالفعل في المنطقة لتشمل تأمين ناقلات النفط بشكل أكثر فاعلية.
ويعتقد دبلوماسيون سابقون أن أوروبا تمتلك خبرة طويلة في التفاوض مع طهران بشأن ملفها النووي، مما قد يؤهلها للعب دور الوسيط لإنهاء الصراع الحالي. إلا أن هذا الدور يصطدم بثلاثة عوائق رئيسية، أبرزها انعدام الثقة المتبادل بين ترامب والقادة الأوروبيين، والمخاوف من ردود فعل واشنطن تجاه ملفات أخرى مثل أوكرانيا.
وتشير التقارير إلى أن التردد الأوروبي في مواجهة الضغوط الأمريكية بشكل علني يضعف موقف القارة أمام إيران، التي تنظر بريبة إلى السياسات الأوروبية المتذبذبة. هذا الانقسام الداخلي يجعل من الصعب صياغة موقف موحد يوازن بين المصالح الاقتصادية والالتزامات الأمنية تجاه الحلفاء التقليديين.
وبالرغم من التصريحات الحادة، أبدى بعض القادة الأوروبيين والآسيويين استعداداً مبدئياً للمساهمة في 'جهود مناسبة' لضمان المرور الآمن عبر المضيق، دون الالتزام الكامل بالخطة الأمريكية. ويعكس هذا البيان الحذر رغبة القارة في حماية مصالحها التجارية مع تجنب التورط المباشر في عمليات هجومية قد تشعل المنطقة.
ويرى السفير الأمريكي السابق لدى الناتو، نيكولاس بيرنز أن سلوك ترامب العدائي تجاه الحلفاء يجعل من الصعب عليهم تبرير أي مشاركة عسكرية أمام برلماناتهم الوطنية. فالتصريحات البذيئة والسخرية من القادة تقوض أسس التحالف التقليدي وتزيد من عزلة واشنطن في إدارتها للأزمات الدولية الكبرى.
وتظل ألمانيا من أكثر الدول تضرراً من استمرار إغلاق المضيق، حيث تضطر الحكومة لتقديم دعم مالي ضخم لقطاع الطاقة لتفادي انهيار الصناعات الثقيلة. وتؤكد مصادر مطلعة أن برلين تبحث عن سبل للمساعدة العسكرية الدفاعية فقط، شريطة أن تكون القيادة تحت مظلة دولية وليس بقرار أمريكي منفرد.
ختاماً، يبدو أن الأزمة في مضيق هرمز قد تحولت من مجرد تهديد لأمن الملاحة إلى اختبار حقيقي لمدى تماسك التحالف الغربي في مواجهة سياسات ترامب. وبينما تستمر الضغوط الاقتصادية في التصاعد، يظل القرار الأوروبي معلقاً بين مطرقة الحاجة للطاقة وسندان الحفاظ على الاستقلال السياسي والسيادي.





شارك برأيك
ضغوط ترامب بشأن مضيق هرمز تضع القارة الأوروبية في مأزق سياسي واقتصادي