عريقات –27/3/2026
أحبطت سلطات إنفاذ القانون الفيدرالية، مساء الخميس، مخططاً وُصف بـ"الوشيك" لاغتيال ناشطة فلسطينية بارزة في مدينة نيويورك، في تطور أمني لافت يعكس تصاعد التوترات المرتبطة بالحراك المؤيد للفلسطينيين في الولايات المتحدة. ونقلت صحيفة نيويورك تايمز عن مسؤول أمني ومحامٍ يمثل الناشطة أن العملية أُجهضت قبيل تنفيذها، فيما لا تزال التحقيقات جارية لكشف ملابساتها ودوافعها. ويأتي هذا التطور في سياق بيئة داخلية أميركية تزداد استقطاباً، حيث يتقاطع النشاط السياسي مع مخاطر أمنية ملموسة، ما يطرح تساؤلات متزايدة حول قدرة الدولة على حماية حرية التعبير في ظل هذا الاحتقان.
وبحسب محامي الناشطة، أبلغ مكتب التحقيقات الفيدرالي (FBI) نردين كسواني وفريقها القانوني، في وقت متأخر من مساء الخميس، بأنه تم توقيف مشتبه به واحد على الأقل على خلفية مؤامرة لاغتيالها، دون الكشف عن هويته أو دوافعه. وأكد مسؤول فيدرالي، يعمل في ولاية نيوجيرسي، إحباط المخطط، مشيراً إلى أن العملية تمت بالتنسيق مع شرطة نيويورك. ويعكس هذا التدخل الاستباقي حساسية متزايدة لدى الأجهزة الأمنية في التعامل مع تهديدات محتملة، خصوصاً في ظل تصاعد الخطاب السياسي الحاد، وما قد يحمله من مخاطر تحول بعض مظاهره إلى عنف فعلي.
وأفاد مصدر مطلع أن عناصر من مكتب التحقيقات الفيدرالي نفذوا عملية تفتيش في مدينة هوبوكين بولاية نيوجيرسي، ترافقت مع اعتقال واحد على الأقل، في إطار تحقيق مستمر. ومن المتوقع أن تعلن السلطات، في وقت لاحق، التهم الموجهة إلى المشتبه بهم، في وقت تحرص فيه الجهات المعنية على ضبط إيقاع المعلومات، تجنباً لتأثيرات قد تزيد من تأجيج المناخ العام.
وفي بيان مقتضب، أكد مكتب التحقيقات الفيدرالي في نيويورك تنفيذ “نشاط إنفاذ قانون بموجب إذن قضائي” في محيط شارعي ويلو وكلينتون في هوبوكين، مشدداً على أن التحقيقات ما تزال جارية. ويعكس هذا الحذر الرسمي إدراكاً لتعقيد المشهد، حيث يتداخل البعد الأمني مع اعتبارات سياسية واجتماعية، ما يجعل أي تسريب أو تفسير متسرع عرضة لإعادة التوظيف في سجالات قائمة أصلاً.
من جانبها، قالت كسواني في تصريح للصحيفة إن عملاء الـFBI أبلغوها بأن “مؤامرة تستهدف حياتها كانت على وشك التنفيذ”، مضيفة أنها ستدلي بمزيد من التصريحات مع تكشف المعطيات، ومؤكدة في الوقت نفسه أنها لن تتراجع عن نشاطها الداعم للقضية الفلسطينية. ويعيد هذا التصريح تسليط الضوء على التحول في طبيعة التفاعل الأميركي مع الصراع في الشرق الأوسط، حيث لم يعد يقتصر على السجال السياسي والإعلامي، بل بات ينعكس في الداخل الأميركي بأبعاد أمنية مباشرة.
وتُعد كسواني (31 عاماً) من أبرز الوجوه الناشطة في الحراك المؤيد للفلسطينيين في نيويورك، وهي من المؤسسين المشاركين لمجموعة "خلال حياتنا -Within Our Lifetime"، التي نظمت احتجاجات متكررة منذ اندلاع الحرب في غزة، ونجحت في استقطاب أعداد كبيرة من المشاركين. وقد أثارت أنشطة المجموعة جدلاً واسعاً بسبب خطابها الحاد وتكتيكاتها الاحتجاجية التي شملت تعطيل مرافق حيوية، مثل محطة "غراند سنترال". كما تبرز هذه الحالة معضلة متزايدة أمام المؤسسات الأميركية، تتعلق بكيفية التمييز بين حرية التعبير والخطاب الذي قد يُفسَّر على أنه تحريض، وهو توازن دقيق يزداد تعقيداً مع ارتفاع منسوب الاستقطاب.
وقد واجهت كسواني انتقادات وهجمات شديدة ومكثفة من جماعات مؤيدة لإسرائيل، على خلفية تصريحات اعتُبرت داعمة لاستخدام "كل الوسائل" لتحرير الفلسطينيين، بما في ذلك المقاومة المسلحة. في المقابل، نفت الناشطة مراراً الاتهامات بمعاداة السامية، مؤكدة أن خطابها يستهدف السياسات الإسرائيلية لا اليهود كجماعة دينية أو عرقية. ويعكس هذا الجدل اتساع الفجوة في تفسير الخطاب السياسي داخل المجتمع الأميركي، حيث تتباين القراءات بين من يراه تعبيراً مشروعاً عن موقف سياسي، ومن يعتبره تجاوزاً لحدود النقد إلى فضاءات أكثر حساسية.
ورغم محدودية عدد أعضائها، نجحت مجموعة " خلال حياتناWithin Our Lifetime" (بينما نحن أحياء) في توسيع حضورها منذ اندلاع الحرب، مستفيدة من زخم الاحتجاجات واتساع التفاعل عبر وسائل التواصل الاجتماعي، قبل أن تقوم شركة "ميتا" بإغلاق حسابها على "إنستغرام" في شباط 2024، والذي كان يضم نحو 180 ألف متابع. ويشير هذا الحضور المتنامي إلى دور المنصات الرقمية في تضخيم تأثير مجموعات صغيرة نسبياً، وهو ما يضع هذه المنصات بدورها أمام ضغوط متزايدة لإعادة تقييم سياساتها بين حرية التعبير وضبط المحتوى، في سياق سياسي واجتماعي شديد الحساسية.
وتعكس هذه الحادثة مناخاً أميركياً يتزايد فيه التوتر حول الخطاب المتعلق بالقضية الفلسطينية، في ظل ضغوط سياسية وإعلامية متصاعدة تسعى أحياناً إلى تضييق هامش التعبير. وفي هذا السياق، يصبح ضمان حماية الناشطين أولوية لا تنفصل عن صون الحقوق الدستورية، إذ لا يمكن فصل الأمن عن الحرية. فاستهداف أفراد بسبب مواقفهم السياسية، أو الخشية من ذلك، يهدد جوهر الفضاء الديمقراطي، ويطرح تساؤلات جدية حول قدرة المؤسسات على حماية التعددية الفكرية.
وتُبرز الواقعة إشكالية دقيقة تتعلق باستخدام مفاهيم مثل "التحريض" و"الأمن" في سياقات سياسية شديدة الحساسية. فبينما تظل مواجهة أي تهديد فعلي ضرورة لا جدال فيها، فإن توسيع هذه المفاهيم ليشمل مواقف أو شعارات سياسية قد يؤدي إلى تقييد غير مباشر لحرية التعبير. ومن هنا، تبرز الحاجة إلى توازن صارم يضمن محاسبة الأفعال العنيفة فقط، دون الانزلاق إلى تجريم الخطاب السياسي، خصوصاً حين يتعلق بالدفاع عن حقوق الشعوب في الحرية وتقرير المصير.
وفي بعده الأوسع، يسلّط هذا التطور الضوء على أهمية حماية الحق في الدفاع عن الحقوق الفلسطينية بوصفه جزءاً من خطاب حقوقي مشروع، لا ينبغي تهميشه أو وصمه. فالدعوة إلى الكرامة والاستقلال والتحرر من الاحتلال تندرج ضمن مبادئ القانون الدولي وحقوق الإنسان. وعليه، فإن الحفاظ على مساحة آمنة لهذا الخطاب داخل المجتمع الأميركي يشكل اختباراً حقيقياً لالتزامه بقيمه الديمقراطية، وقدرته على استيعاب التباين السياسي دون انزلاق نحو الإقصاء أو التخويف.





شارك برأيك
إحباط مخطط لاغتيال ناشطة فلسطينية في نيويورك