قبل ان يتحول الى خزان للطاقة العالمية، كان الخليج هادئا نسبيا، أهميته كانت جغرافية أكثر منها استراتيجية، وحدوده ترسم وفق توازنات محلية وإقليمية، فلم يكن مركزا لصراع دولي، بل فضاء يمكن التعايش معه، وفي لحظة تاريخية تغير كل شيء، لم يعد مجرد بقعة جغرافية، بل أصبح وظيفيا في النظام الدولي، وظيفة مرتبطة أساسا بتدفق الطاقة وضبط إيقاع الاقتصاد العالمي، ومعها بات ينظر له كمنظومة موارد يجب تأمينها، او إدارتها على الأقل.
هذه النقلة الكبرى جعلت من الخليج مفصليا في المشهد الحالي، ولا يبدو للمراقب ان الصراعات الدائرة هناك تستهدف الحسم الجغرافي بقدر اعادة تشكيل البيئة المحيطة بمخزونات الطاقة، وبدل تهديد الموارد مباشرة يجري الضغط عليها من خلال التوترات الأمنية والاستقطابات السياسية، الامر الذي يجعل من هذه الملفات مفتوحة وتبقي المنطقة في حالة انشغال دائم، أي بيئة مشغولة بذاتها ومنشغلة بأزماتها، وبالتالي قدرة اقل على صياغة خيارات مستقلة، وربما اكثر ميلا للاعتماد على ترتيبات خارجية لضمان استقرارها.
وهنا يبرز جانب آخر من جوانب الأزمة، يتجاوز ضمان تدفق الطاقة الى التحكم بشروط ذلك، لان من يملك مفتاح ذلك فهو في حقيقة الامر يملك ورقة ضغط تتجاوز الاقليم، جاعلا من الطاقة اداة صراع في مواجهة تبدو غير تقليدية، وفي سباق محموم على التحكم بشرايين الطاقة اكثر منه للسيطرة الجغرافية، والخليج بحكم موقعه وموارده يقع في قلب هذه المعادلة، شاء ام ابى، وبالتالي فان الحفاظ على حالة توتر دائم او ما دون الانهيار الشامل يخدم ضمان استمرار تدفق الطاقة من جهة، ويمنع تشكل قوى مستقلة قادرة على اعادة تعريف شروط ذلك من جهة اخرى.
وفي هذا المشهد تبدو بعض الصراعات وكأنها محلية، لكنها في حقيقة الامر ابعد من ذلك، لان كل توتر داخلي او انقسام اقليمي يعني اضافة محددات جديدة للتحكم بقرار الطاقة، وبالرغم من كل ما سبق، فذلك لا يعني ان الخليج منزوع الخيارات، بل على العكس تماما، فامتلاكه لهذه الموارد يمنحه وزنا لا يمكن تجاهله، لكن يبقى الفارق الجوهري او التحدي الحقيقي هو بين من يملك الموارد ومن يملك القدرة الحقيقية على ادارتها.
أي أن المعادلة بالنسبة للدول الخليجية ليست سهلة، فمن جانب ضمان تدفق مستقر يخدم الاقتصاد العالمي، ومن الجانب الاخر ان لا تتحول الى مجرد إداة في صراع الآخرين؟ وبكلمات اخرى، كيف يمكنها الاستفادة من موقعها؟ ولا يكون ذلك من خلال المواجهة المباشرة، كما لا يكون عبر الانكفاء، بل من خلال بناء مساحة قرار أوسع، تقوم بالدرجة الاولى على تنويع الشراكات وتعزيز القدرات، فضلا عن قراءة التحولات الدولية بحكمة وروية.
فالخليج وان لم يعد هامشيا، لكنه ايضا لم يصل ايضا الى مرحلة التحكم الكامل بقواعد لعبته، وبين هذا وذاك تدور رحى معركة الى جانب اصوات المدافع، معركة حول من يملك الحق بوضع هذه القواعد، وفي مثل هذه المعارك، لا يخسر من يفتقر الى القوة فقط، بل وايضا من لا يجيد قراءة اللحظة التاريخية والاستفادة منها.
أقلام وأراء
الخميس 26 مارس 2026 9:43 صباحًا - بتوقيت القدس





شارك برأيك
الخليج في معادلة الطاقة.. من الإنتاج إلى التأثير