تحليل

الثّلاثاء 24 مارس 2026 4:48 مساءً - بتوقيت القدس

تساؤلات حول نفوذ المنطقة: من يفرمل الطموحات الإسرائيلية في ظل تراجع جبهات الإسناد؟

تتصاعد الأسئلة المنطقية في ظل المواجهة الدائرة حالياً بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، حول حقيقة القدرة العسكرية لمحور المقاومة. وترتبط هذه التساؤلات بمدى فاعلية 'حزب الله' اللبناني كذراع أساسية، خاصة بعد التوقعات التي تزايدت منذ انطلاق عملية 'طوفان الأقصى' في أكتوبر 2023.

لقد انطلقت المقاومة في غزة من ثقة كاملة بقدرات حلفائها العسكرية والأمنية، التي كانت دائماً محلاً للتفاخر والوعيد بلجم الاحتلال الإسرائيلي. ومع ذلك، واجه القطاع حرب إبادة شاملة ومحواً جغرافياً غير مسبوق، بينما ظل المقاتل الفلسطيني ينتظر وصول الصواريخ والطائرات المساندة التي وُعد بها.

إن استحضار الدور الإيراني في سوريا منذ عام 2011 يكشف عن حجم الخلل الذي أصاب بوصلة التحالفات في المنطقة. فالمشاركة في قمع الشعب السوري إلى جانب النظام أدت إلى تآكل السردية الأخلاقية للمقاومة، وساهمت في الانهيار والاختراق الكبير الذي يعاني منه حلفاء طهران اليوم.

لو تُرِك مصير الشعب السوري لإرادته منذ العام الأول للثورة، لربما كانت حال المنطقة اليوم مغايرة تماماً ولما شهدنا هذا التفسخ في جبهات الإسناد. لقد كانت حرب غزة بمثابة الاختبار الحقيقي لهذه السردية، حيث بلغت المقاومة ذروة عطائها العسكري بينما بقيت الأسلحة النوعية الإيرانية حبيسة المخازن.

تسميات رنانة مثل صواريخ 'خيبر' و'قدر' و'سجيل' لم تجد طريقها للميدان إلا بعد أن استنزفت إسرائيل معظم أهدافها الإجرامية في غزة. هذا التأخر كشف عن فجوة عميقة بين الخطاب الإعلامي والواقع الميداني، مما وضع الحليف الفلسطيني في موقف الاستفراد أمام آلة الحرب الإسرائيلية.

الحسابات الإيرانية التي اعتمدت على قدرة الحلفاء في غزة ولبنان على خوض المعارك بمفردهم أثبتت عدم دقتها في مواجهة حرب إبادة شاملة. هذا التقدير الخاطئ لم يغير مسار الأحداث في الأيام الأولى للعدوان، بل منح الاحتلال فرصة ذهبية للاستفراد بكل جبهة على حدة وتدمير مقدراتها.

إن قضية إدراك ما يحدث الآن تتجاوز مجرد الحسابات العسكرية، لتصل إلى ضرورة التحرر من توظيف شعارات المقاومة في دائرة المناورات السياسية. لقد كان ثمن هذه المناورة باهظاً، ليس فقط على إيران وحلفائها، بل على الأمن القومي العربي والإقليمي بشكل عام.

في الوقت الذي كانت فيه المقاومة الفلسطينية تهيئ الظروف الميدانية لتلقي دعم حقيقي يربك العدو، أُوصدت أبواب الرجاء في تدخل مباشر يغير موازين القوى. غياب التنسيق الفعلي في اللحظات الحرجة سمح لإسرائيل بتنفيذ استراتيجية 'تقطيع الأوصال' بين غزة وبقية جبهات المحور.

لو تآخت صواريخ 'القسام' مع مسيرات 'شاهد' وفتاح في غلاف غزة منذ البداية، لما استطاعت إسرائيل التفرغ لارتكاب المجازر في القطاع ثم الانتقال للبنان. إن الاستفراد بالقيادات السياسية والعسكرية وتصفية الرؤوس الأولى كان نتيجة طبيعية لغياب الردع الجماعي الموحد والمباشر.

رغم ذلك، لا يمكن إنكار أن الردود الإيرانية المتأخرة استطاعت إحداث ندوب في الأمن الإسرائيلي وسقوط هالة الردع التي يتغنى بها الاحتلال. الضربات التي طالت النقب وتل أبيب وحيفا أثبتت وجود قدرة على إيلام العدو، لكنها جاءت بعد أن استبيحت غزة تماماً.

المشكلة الأساسية تكمن في أن الفلسطيني والعربي يدفعان ثمن هذه الحسابات المعقدة من أمنهما وحقوقهما الأساسية في ظل التوسع الإسرائيلي. العلاقة بين طهران والقضية الفلسطينية باتت تمر بمرحلة من التعقيد الذي كان يمكن تلافيه لو وُجهت البوصلة نحو العدو الحقيقي منذ البداية.

لا يوجد في الشارع العربي أو النظام الرسمي من يرغب في رؤية دولة إقليمية كإيران مستباحة أو مدمرة من قبل العدوان الإسرائيلي الأمريكي. لكن الرفض الشعبي للمشروع الصهيوني يتطلب قوة حقيقية تتجاوز الشعارات، وتؤسس لتحالفات تحمي الوجود العربي والفلسطيني من التطهير العرقي.

إن وجود الفلسطينيين فوق أرضهم لم يعد كافياً وحده لصد الأطماع التوسعية في ظل حالة العجز العربي والإقليمي الراهنة. القوة التي تاهت بوصلتها في صراعات الربيع العربي والملف السوري، أضعفت القدرة الجماعية على إنقاذ فلسطين والدفاع عن الأمن القومي المشترك.

في الختام، فإن دروس العدوان الحالي تفرض ضرورة إعادة صياغة مفهوم الأمن العربي وبناء قوة ذاتية قادرة على فرملة مشروع 'إسرائيل الكبرى'. التحرر من الحسابات الضيقة والاعتراف بالمخاطر الوجودية هو السبيل الوحيد لمواجهة النفوذ الإسرائيلي الذي يستهدف الجميع دون استثناء.

دلالات

شارك برأيك

تساؤلات حول نفوذ المنطقة: من يفرمل الطموحات الإسرائيلية في ظل تراجع جبهات الإسناد؟

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.