اقتصاد

الإثنين 23 مارس 2026 9:48 صباحًا - بتوقيت القدس

انهيار حاد في أسعار الذهب: لماذا فقد المعدن الأصفر بريقه كملاذ آمن؟

سجلت أسعار الذهب تراجعاً حاداً في الأسواق العالمية، حيث فقد المعدن النفيس أكثر من 3% من قيمته في يوم واحد، ليصل إلى أدنى مستوياته منذ أربعة أشهر تقريباً. ويأتي هذا الهبوط في وقت يشهد فيه العالم توترات جيوسياسية متصاعدة، مما أثار تساؤلات حول فقدان الذهب لمكانته التقليدية كملاذ آمن أول في أوقات الأزمات.

وأفادت مصادر اقتصادية بأن الذهب يتجه لتسجيل أسوأ أداء أسبوعي له منذ ست سنوات، متأثراً بالصراعات الدائرة في منطقة الشرق الأوسط. وقد أدت هذه الأحداث إلى فرض ضغوط كبيرة على أسعار الطاقة، مما قلص التوقعات العالمية بشأن إمكانية خفض أسعار الفائدة في المدى القريب.

وهبط الذهب في المعاملات الفورية بنسبة 3.3% ليصل إلى مستوى 4340.09 دولار للأوقية، مواصلاً نزيف الخسائر للجلسة التاسعة على التوالي. ويعكس هذا التراجع حالة من القلق لدى المستثمرين الذين بدأوا في إعادة تقييم محافظهم المالية في ظل المتغيرات المتسارعة في السياسة النقدية الدولية.

وأدى الارتفاع الكبير في أسعار النفط والغاز الطبيعي الناتج عن الصراع الإقليمي إلى تغذية المخاوف من موجة تضخم جديدة. هذه المخاوف دفعت البنوك المركزية، وعلى رأسها الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي، إلى التمسك بمستويات فائدة مرتفعة، مما زاد من تكلفة حيازة الذهب الذي لا يدر عائداً دورياً.

وأوضح محللون أن قطاع المعادن النفيسة بالكامل دخل في منطقة حمراء، حيث لم يقتصر التراجع على الذهب بل شمل الفضة أيضاً. ويرى الخبراء أن الضغط الأساسي ينبع من توقعات استمرار التضخم المرتبط بالطاقة، وهو ما يعيق أي توجه نحو التيسير النقدي العالمي.

وشهدت الأسواق تدفقات خارجة من الصناديق المتداولة في البورصة، حيث لجأ المستثمرون إلى بيع سبائك الذهب لتغطية خسائرهم في أصول أخرى. كما ساهم صعود الدولار الأمريكي وقوة عوائد سندات الخزانة في سحب السيولة من سوق المعادن الثمينة نحو أدوات الدخل الثابت.

وفي سياق متصل، أكد الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي في اجتماعه الأخير الإبقاء على أسعار الفائدة دون تغيير، مشدداً على أن أي خفض مستقبلي يتطلب أدلة قوية على تراجع التضخم. هذا الموقف المتشدد من جيروم باول كان له أثر مباشر في إضعاف جاذبية الذهب أمام السندات الحكومية.

ورغم هذا التراجع الكبير، لا يزال الذهب يحافظ على مكاسب تراكمية منذ بداية العام الجاري، حيث كان قد وصل لمستويات قياسية في يناير الماضي. وكانت الأسعار قد لامست حاجز 5600 دولار للأونصة بفضل مشتريات البنوك المركزية والمخاوف من تقلبات السياسة الأمريكية الداخلية.

ويشير الخبراء إلى مفارقة غريبة، حيث لم يحقق الذهب مكاسب جديدة رغم بيئة عدم اليقين الدولية المرتفعة. ففي الظروف الطبيعية، كان من المفترض أن تدعم التوترات الجيوسياسية سعر المعدن، لكن قوة العوائد الأمريكية غيرت قواعد اللعبة في الأسواق المالية.

ويكمن السبب الجوهري في أن سندات الخزانة الأمريكية عادت لتقدم عوائد مرتفعة، مما جعلها منافساً شرساً للذهب. وبما أن الذهب لا يوزع أرباحاً أو فوائد، فإن جاذبيته تتلاشى عندما يجد المستثمرون بدائل آمنة توفر عائداً نقدياً مضموناً ومجزياً.

علاوة على ذلك، لعبت عمليات جني الأرباح دوراً حاسماً في تسريع وتيرة الهبوط الأخير، خاصة بعد الارتفاعات القياسية السابقة. فقد اختار العديد من المتعاملين تسييل مراكزهم المالية بعد تحقيق مكاسب وصلت في بعض الحالات إلى 50% أو أكثر خلال الأشهر الماضية.

ويرى المحلل كارلو ألبرتو دي كازا أن وصول الذهب إلى مستويات قريبة من 5000 دولار دفع الكثيرين للبيع التكتيكي. هذا السلوك الاستثماري ساهم في كبح الزخم الصعودي، وحول المسار نحو التصحيح السعري الحاد الذي نشهده حالياً في الأسواق العالمية.

وتشير التقارير إلى أن الهجمات التي استهدفت إيران الشهر الماضي كانت نقطة تحول في مسار المعدن النفيس، حيث بدأت بعدها سلسلة الخسائر الأسبوعية. وقد أدى تعطل إمدادات الطاقة إلى تعقيد المشهد الاقتصادي، مما جعل الذهب ضحية لارتفاع تكاليف المعيشة والإنتاج.

في المحصلة، يواجه الذهب تحدياً مزدوجاً يتمثل في قوة الدولار من جهة، والسياسات النقدية المتشددة من جهة أخرى. ويبدو أن استعادة المعدن الأصفر لبريقه ستعتمد بشكل أساسي على حدوث تحول حقيقي في توجهات البنوك المركزية نحو خفض الفائدة، وهو أمر لا يبدو وشيكاً في ظل المعطيات الراهنة.

دلالات

شارك برأيك

انهيار حاد في أسعار الذهب: لماذا فقد المعدن الأصفر بريقه كملاذ آمن؟

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.