تحليل

الأحد 22 مارس 2026 5:48 مساءً - بتوقيت القدس

مأزق التحالف الدولي: هل ينجح ترامب في حشد أوروبا ضد إيران؟

مع دخول التصعيد العسكري بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، أسبوعه الرابع، يجد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب نفسه في مواجهة تحديات معقدة لتشكيل غطاء دولي لعملياته. وتأتي هذه التحركات في ظل اتهامات داخلية لترامب بالانجراف خلف أجندة بنيامين نتنياهو التي تهدف لحماية المشروع الصهيوني أكثر من المصالح الأمريكية القومية.

يسعى البيت الأبيض حالياً للإعلان عن "تحالف دولي" تحت ذريعة حماية الملاحة العالمية في مضيق هرمز، وهو المطلب الذي فشل ترامب في تحقيقه قبيل اندلاع المواجهات الحالية. وقد تحول الصراع تدريجياً إلى ما يشبه "حرب الطاقة"، خاصة بعد نجاح طهران في تضييق الخناق على الممرات الحيوية لإمدادات النفط العالمية.

تؤكد مصادر مطلعة أن الهدف الحقيقي من وراء الدعوة الأمريكية هو توريط القوى الدولية في حرب تهدف لإسقاط النظام الإيراني، بعد عجز واشنطن وتل أبيب عن تحقيق هذا الهدف منفردتين. ومع ذلك، اصطدمت هذه الرغبة بجدار صلب من الرفض الأوروبي الذي تقوده عواصم كبرى مثل باريس وبرلين ولندن.

المواقف الصادرة عن بريطانيا وفرنسا وألمانيا وإيطاليا تعكس فجوة عميقة مع إدارة ترامب، حيث ترفض هذه الدول الانخراط في مغامرة عسكرية غير واضحة المعالم. ويبدو أن القادة الأوروبيين استوعبوا دروس الماضي، مفضلين الحفاظ على استقلاليتهم السياسية بعيداً عن الإملاءات الأمريكية التي قد تضر بمصالحهم الاقتصادية.

رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون ديرلاين كانت قد مهدت لهذا التوجه بتصريحاتها حول ضرورة سعي أوروبا نحو الاستقلال الاستراتيجي في عالم يتغير جذرياً. هذا التوجه يترجم اليوم في الحرص الأوروبي على عدم التورط في حرب تهدف للسيطرة الأمريكية المطلقة على المنطقة دون مراعاة لحصص الشركاء الآخرين.

تتجلى المصالح الأوروبية في ضرورة العودة إلى طاولة المفاوضات لضمان تدفق النفط والغاز واستقرار الأسواق العالمية التي تعاني من اضطرابات حادة. ويرى الأوروبيون أن استمرار الحرب يهدد بإغلاق مضيق هرمز وباب المندب بشكل دائم، مما سيؤدي إلى كارثة اقتصادية لا تستطيع شعوبهم تحمل تبعاتها.

على الجانب الآخر، تفرض إيران إيقاعها الخاص على أسواق الطاقة من خلال فرض معادلات جديدة، من بينها اشتراط استخدام اليوان الصيني كعملة للتبادل مقابل المرور في مضيق هرمز. هذا التكتيك يمثل تحدياً مباشراً للهيمنة الأمريكية على النظام المالي العالمي ويزيد من تعقيد الموقف العسكري والميداني.

التهديدات الإيرانية بضرب منشآت الطاقة الحيوية في المنطقة، مثل جزيرة خارك، دفعت الإدارة الأمريكية لإعادة حساباتها بشأن استهداف المنشآت النفطية الإيرانية. وقد صرح قائد الحرس الثوري الإيراني بأن أي هجوم على هذه الجزيرة سيخلق معادلة قاسية وغير مسبوقة في توزيع الطاقة عالمياً.

يعكس تخبط ترامب في تصريحاته حول مرافقة السفن الأمريكية للناقلات التجارية حالة من العجز عن حماية الملاحة بشكل منفرد. فطلبه المتكرر من دول أخرى المشاركة في "قوة حماية" يظهر بوضوح فشل التكتيكات الأمريكية في مواجهة الإجراءات الإيرانية المضادة في الممرات المائية.

بينما يصر نتنياهو على مواصلة الحرب لتحقيق أهداف عدوانية، يبدو أن ترامب بدأ يبحث عن مخرج يحفظ ماء وجهه عبر اتفاق وسط مع القيادة الإيرانية. هذا المخرج قد يشبه في جوهره الاتفاق النووي الذي ألغاه ترامب سابقاً، لكن تباين المواقف بين واشنطن وتل أبيب والعواصم الأوروبية يظل سيد الموقف.

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أكد في اتصالاته مع الجانب الإيراني أن الأمن لا يتحقق إلا بإطار سياسي جديد، وهو ما ينسجم مع الموقف الألماني الرافض لدور الناتو. المستشار الألماني صرح بوضوح أن بلاده لن تشارك في هذه الحرب وتطالب بإنهائها سريعاً لتجنب المزيد من التدهور الاقتصادي.

إيطاليا من جهتها، عبرت عبر وزير خارجيتها عن أن الدبلوماسية هي النهج الوحيد الصحيح للتعامل مع أزمة مضيق هرمز، مما يعزز جبهة الرفض الأوروبية. هذا الإجماع الأوروبي يضعف من شرعية أي تحرك عسكري أمريكي قادم ويحرم واشنطن من الغطاء الدولي الذي تحتاجه.

الرفض الأوروبي يعود أيضاً إلى ضغوط داخلية، حيث تعاني الشعوب الأوروبية من ارتفاع جنوني في الأسعار وتضخم ناتج عن أزمات الطاقة المتلاحقة. ولا يرغب القادة الأوروبيون في تكرار سيناريو الحرب الروسية الأوكرانية الذي استنزف اقتصادياتهم لصالح الأهداف الجيوسياسية الأمريكية.

في المحصلة، يدرك الأوروبيون أن الانجرار خلف سياسات ترامب ونتنياهو قد يشعل صراعاً إقليمياً واسعاً يهدد الأراضي الأوروبية نفسها بالصواريخ الإيرانية. لذا، فإن الحكمة السياسية تفرض عليهم التمسك بالحلول الدبلوماسية والمطالبة بوقف فوري للعدوان، مما يزيد من عزلة الموقف الأمريكي الإسرائيلي في المنطقة.

دلالات

شارك برأيك

مأزق التحالف الدولي: هل ينجح ترامب في حشد أوروبا ضد إيران؟

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.