منذ إعادة انتخاب دونالد ترامب في تشرين الثاني/نوفمبر 2024، توقعت أن تقوم إيران بإعلان نفسها قوة نووية في الفترة ما بين إعادة انتخابه وقبل توليه المنصب في كانون الثاني/يناير 2025. فتوجهات ترامب العدائية تجاه إيران كانت واضحة خلال فترة ولايته الأولى، عندما انسحب عام 2018 من الاتفاق النووي الذي وقعه سلفه باراك أوباما مع إيران عام 2015. وفي بداية عام 2020، قام ترامب باغتيال قاسم سليماني، الذي كان يوصف بأنه الرجل الثاني في إيران وعرّاب أذرعها في المنطقة. هذا كله كان من الممكن أن يدفع إيران إلى الإعلان عن نفسها كقوة نووية قبل وصول ترامب إلى البيت الأبيض في ولايته الثانية، لمحاولة تفادي حرب مثل حرب الاثني عشر يوماً في حزيران/يونيو الماضي، أو كالحرب الحالية التي نعيشها منذ 28 شباط/فبراير الماضي.
كذلك، ومنذ أكثر من عشرين عاماً، واظبت كل من أميركا وإسرائيل على اتهام إيران بأنها تعمل على الحصول على السلاح النووي خلال أسابيع أو أشهر. وبعد أحداث 11 أيلول/سبتمبر، أطلق الرئيس جورج بوش الابن مصطلح "دول محور الشر" الذي يضم كلاً من العراق وإيران وكوريا الشمالية، متّهماً إياها بدعم الإرهاب والسعي لامتلاك أسلحة دمار شامل. بعد ذلك، انسحبت كوريا الشمالية من معاهدة منع انتشار الأسلحة النووية وتمكنت بالفعل من امتلاك السلاح النووي.
إن التوقع المذكور ينطلق من افتراض أن إيران تمتلك سلاحاً نووياً، لأنه لا توجد فرصة للنظام الإيراني للاستمرار في البقاء إلا بامتلاكه السلاح النووي، وذلك نظراً لحقيقة أن عدويه اللدودين، أميركا وإسرائيل، هما قوتان نوويتان. وينطلق أيضاً من صعوبة التسليم بأن إيران لم تستطع تطوير قنبلة نووية خلال الفترة الطويلة نسبياً التي استغرقها تطوير برنامجها النووي "السلمي". كذلك، من الصعب تصديق أن إيران ونخبها السياسية والاستراتيجية لم تطور سلاحاً نووياً لمجرد وجود فتوى من المرشد الأعلى تحرم امتلاك سلاح نووي.
في ذات الوقت، قد يكون من الأفضل لإيران اتباع استراتيجية الغموض النووي، أي عدم إعلان نفسها قوة نووية، لكي لا تكون عرضة لعقوبات شبه أبدية مثل كوريا الشمالية. فالأفضل لها استمرار التفاوض على شروط برنامجها "السلمي"، ومحاولة التخلص من العقوبات كما حدث في اتفاق عام 2015، مع الحفاظ على سرية السلاح النووي حتى لحظة ما قبل الصفر، أي اللحظة التي يكون فيها النظام في خطر وجودي حقيقي.
لكن في المقابل، إن الاختراقات الاستخبارية المتتالية في أوساط القيادات الإيرانية تجعل من احتمال امتلاك إيران أسلحة نووية لا تعرف عنها الاستخبارات المعادية احتمالاً مستبعداً. كذلك، لا يقوم الردع النووي على مجرد امتلاك القنبلة، بل على ما يسمى "ثالوث الردع": القدرة على الإطلاق، والنجاة من الضربة الأولى، والقدرة على الرد. وهي عناصر لا تزال محل شك كبير في الحالة الإيرانية. فالقنابل النووية بحاجة إلى حامل، مثل صاروخ أو طائرة أو غواصة، ويبدو أن إيران لا تملك حالياً حاملاً موثوقاً يكفي ليشكل رادعاً ذا مصداقية. أيضاً، لكي يكون السلاح النووي رادعاً حقيقياً يمنع العدو من توجيه ضربة استباقية، يجب على القوة النووية امتلاك القدرة المؤكدة على رد الضربة النووية بضربة نووية مماثلة، وهذا يحتاج إلى قدرات سرية متعددة ومتنوعة يصعب توفرها بين عشية وضحاها.
أخيراً، أعتقد أن إيران تمتلك كل القدرات والتقنيات والأسباب الموجبة لامتلاك سلاح نووي، وذلك بهدف الحفاظ على نظامها وبقائه. أما إذا كان توقعي غير صحيح، وكانت إيران لا تملك بالفعل سلاحاً نووياً، فهذه ستكون سقطة استراتيجية كبرى لا يمكن للنظام الإيراني أن يفلت من ثمنها الوجودي، عاجلاً أم آجلاً.
أقلام وأراء
الأربعاء 18 مارس 2026 9:56 صباحًا - بتوقيت القدس





شارك برأيك
إيران بين الغموض النووي وحافة الهاوية