واشنطن – سعيد عريقات-17/3/2026
أعلن مدير المركز الوطني لمكافحة الإرهاب في الولايات المتحدة، جو كنت، استقالته من منصبه بشكل فوري، في رسالة وجّهها إلى الرئيس دونالد ترمب، عبّر فيها عن رفضه القاطع لاستمرار الحرب الأميركية في إيران، معتبرًا أنها تفتقر إلى مبرر أمني مباشر وتمثل انحرافًا عن المبادئ التي قامت عليها السياسة الخارجية للإدارة.
وقال المسؤول المستقيل في رسالته إنه لم يعد قادرًا "بحسن نية" على دعم الحرب الجارية، مؤكدًا أن إيران “لم تشكل تهديدًا وشيكًا” للولايات المتحدة. وأضاف أن قرار الانخراط في الحرب جاء نتيجة ضغوط إسرائيلية ونفوذ لوبيات داعمة لها داخل الولايات المتحدة، في اتهام صريح بتأثير عوامل خارجية على القرار الأميركي.
وأشار إلى أنه كان من مؤيدي السياسات التي تبنّاها ترمب خلال حملاته الانتخابية وفي ولايته الأولى، والتي ركزت على مبدأ "أميركا أولاً" وتجنب التورط في حروب طويلة في الشرق الأوسط. ولفت إلى أن الرئيس كان، حتى منتصف عام 2025، يدرك أن تلك الحروب تستنزف الأرواح والموارد الأميركية دون تحقيق مكاسب إستراتيجية ملموسة.
واستعرض المسؤول السابق ما اعتبره نجاحات سابقة للإدارة في استخدام القوة العسكرية بشكل "حاسم ومحدود"، مشيرًا إلى عملية قتل قائد فيلق القدس الإيراني قاسم سليماني، وكذلك هزيمة تنظيم "داعش"، بوصفهما نموذجين لتجنب الانجرار إلى نزاعات مفتوحة.
وفي انتقاد لاذع، تحدث عن "حملة تضليل" قادها مسؤولون إسرائيليون رفيعو المستوى إلى جانب شخصيات مؤثرة في الإعلام الأميركي، قال إنها أسهمت في تقويض نهج “أميركا أولاً” ودفع الإدارة نحو الحرب. واعتبر أن هذه الحملة صوّرت إيران كتهديد وشيك، وروّجت لفكرة تحقيق "نصر سريع"، وهو ما وصفه بأنه “خداع” شبيه بما حدث قبيل حرب العراق.
وأكد المسؤول أنه، بصفته عسكريًا خدم في 11 مهمة قتالية، وزوجًا لفقدان زوجته في حرب وصفها بأنها "مفبركة"، لا يمكنه دعم إرسال جيل جديد من الأميركيين إلى حرب لا تخدم مصالح الشعب الأميركي ولا تبرر كلفتها البشرية.
واختتم رسالته بدعوة الرئيس إلى إعادة النظر في المسار الحالي، محذرًا من أن استمرار الحرب قد يقود الولايات المتحدة نحو "التراجع والفوضى"، ومؤكدًا أن القرار لا يزال بيد الرئيس لتغيير الاتجاه.
وتكشف هذه الاستقالة عن أزمة ثقة داخل مؤسسات الأمن القومي الأميركية بشأن تعريف "التهديد الوشيك". فلطالما استُخدم هذا المفهوم لتبرير التدخلات العسكرية، لكنه في هذه الحالة يُطعن فيه من داخل المنظومة نفسها. هذا يطرح تساؤلات حول آليات صناعة القرار الاستخباراتي، ومدى تأثرها بالاعتبارات السياسية أو الضغوط الخارجية. كما يعكس الانقسام بين التقييم المهني والقرار السياسي، وهو انقسام قد يؤدي إلى تآكل مصداقية المؤسسات أمام الرأي العام، ويُضعف قدرة الإدارة على حشد الدعم الداخلي والدولي لأي تحرك عسكري مستقبلي.
إشارة المسؤول المستقيل إلى دور إسرائيل ولوبياتها تفتح بابًا حساسًا في النقاش الأميركي حول تأثير الحلفاء على السياسات السيادية. فبينما تُعد الشراكة الأميركية-الإسرائيلية ركيزة استراتيجية، فإن اتهامات كهذه تعكس قلقًا متزايدًا من تجاوز هذا التأثير حدوده الطبيعية. كما تسلط الضوء على دور الإعلام في تشكيل بيئة داعمة للحرب، ما يطرح تساؤلات حول استقلالية الخطاب الإعلامي. هذا الجدل قد يعمّق الانقسام الداخلي، ويعيد طرح مسألة من يحدد أولويات الأمن القومي: المؤسسات، أم الحلفاء، أم مزيج معقد بينهما.
تستحضر الرسالة شبح حرب العراق بوصفها مثالًا لتحذير من تكرار الأخطاء، وهو استدعاء له دلالات سياسية وأخلاقية عميقة. فالحروب الطويلة في الشرق الأوسط تركت أثرًا بالغًا على المجتمع الأميركي، من حيث الخسائر البشرية والتكاليف الاقتصادية. إعادة الانخراط في نزاع جديد قد تعيد فتح هذه الجروح، خاصة في ظل غياب إجماع وطني واضح. كما أن ربط القرار الحالي بتجارب سابقة يعزز سردية الفشل الاستراتيجي، ويضع الإدارة أمام اختبار صعب بين الاستمرار أو التراجع، بكل ما يحمله الخياران من تبعات داخلية وخارجية.





شارك برأيك
استقالة مدير المركز الوطني لمكافحة الإرهاب احتجاجًا على الحرب في إيران