أقلام وأراء

الثّلاثاء 17 مارس 2026 9:52 صباحًا - بتوقيت القدس

دور الأسرة في تعافي الأطفال من ويلات وانعكاسات ظروف الحروب



تنطلق هذه الصرخة والكلمات والأفكار الآتية من محراب الإنسانية، التي باتت شبه منسية، في ظل المآسي السيكولوجية وغيرها، التي فرضتها حالات العوز والفقر والتشريد والقتل لدرجة الإبادة بكل أصنافها وأشكالها، مما جعل هذه الصرخة – الموجهة للكل ممن لا زال لديه ضمير حي – تستهدف الكل الإنساني بغض النظر عن الجنس، العرق أو الدين، كون ويلات الحروب والعنف لا تستثني أحداً، بل الجميع عرضة للتأثر بنتائجها الوخيمة ودفع الثمن، إن لم تكن الأثمان.
تعتريني دهشة كبيرة، ليس فقط من دوام تكرار هذه الحروب والتي بعضها يرتقي إلى مستوى الإبادة (Genocide) لتشمل كل ما له علاقة بالبشر (موروث ثقافي وعمراني...إلخ)، حين يقفز إلى ذهني سؤال: ألم تتعلم البشرية وقادتها من عبر الحروب التي شهدها التاريخ البشري منذ بدء الكون، ظانّين أنه فقط بالحروب والقتل يمكن تحقيق أطماعهم أو استرداد حقوقهم المشروعة إن كانت كذلك، متجاهلين إمكانية وأهمية توظيف لغة الحوار القائم على إظهار البيّنة والسند الجلي كبديل ناجع، ولنا في التاريخ عبرة؟ ما صدمني صباح اليوم تصريح للرئيس الأمريكي قائم على مفاهيم سلبية مسبقة نحو الشعب الإيراني، بقوله "إنهم أوغاد مختلون وقتلهم شرف لي"، وتصريح آخر لظله رئيس الوزراء الإسرائيلي مدعياً أن الحرب ستجلب الحرية في النهاية!!!
مثل هؤلاء القادة وصناع القرار بخصوص حاضر ومستقبل شعوبهم والشعوب التي هي ضحية لنزواتهم، لا يأخذون بعين الاعتبار الانعكاسات السيكولوجية السلبية للحروب، ليس فقط على الجانب الآخر، بل وأيضاً على مجتمعاتهم، والتي حتماً ستترك بصمات وآثاراً كبيرة على كافة فئات المجتمع، وبالأخص فئة الأطفال، جراء الصدمات النفسية (PTSD) وما ينجم عنها من اضطرابات سلوكية (behavior disorders) مثل الاكتئاب (depression)، والتوتر (stress)، والقلق والأرق الدائمين (sleeping disorders)، وغيرها من الاضطرابات السلوكية، منها ما يصاحب الطفل لفترات زمنية طويلة أي مزمنة (endemic)، ومنها ما يكون التعافي منه ليس بسهولة أو بشكل كامل. فمثلاً، صدمة الفقدان تكاد تكون من ألدّ وأصعب عوائق تطور شخصية الطفل، لما يرافقها من أحداث ومناسبات تثير فيهم تذكرها (reminders). (لمزيد من المعلومات حول خطورة وتعقيدات هذه الصدمة، يمكن الرجوع إلى كتاب الكاتب بعنوان "فقدان أحد الوالدين (losing a parent)"، والذي صدر عام 2022 عن مؤسسة CARE).
يبحث الشخص الذي يعاني من مثل هذه الاضطرابات، خاصة الأطفال منهم، كي يعي ما يدور من حوله: لماذا وإلى متى كل ما يجري من حوله/حولها، كخطوة أولى نحو التعافي والخروج مما هو/هي فيه، وهذا ما يصطلح عليه علمياً ب "الإحساس بالتماسك (sense of coherence)"، والذي لن يتوفر إلا من خلال الأسرة، سواء الصغيرة منها أو الكبيرة، الملاذ الأول والأخير، للبدء بالشعور بالتوازن النفسي والجسدي والوظيفي، مما يعطي للأسرة ودورها أهمية خاصة في إنجاز الهدف كاملاً أو على الأقل التخفيف من حدة حالة الاضطراب السلوكي لدى الشخص.
لست هنا في مجال الحديث عن العلاج الإكلينيكي، فهناك المختصون به، بل وددت هنا تناول وعرض بعض الإجراءات وأساليب الوقاية (preventive measures) مثل:
• دوام ظهور الأسرة كجماعة واحدة موحدة في مواقفها قدر الإمكان، والابتعاد قدر المستطاع عن نهج الفردية والتفرد في اتخاذ وبلورة القرار، إذ من الأهمية بمكان توزيع الأدوار على الجميع في الأسرة، مع مراعاة السن والقدرات العاطفية والعقلية خاصة إذا كان هناك من هم من ذوي الاحتياجات الخاصة، مع سيادة روح التعاون والشراكة المسؤولة، بعيداً عن التنمر أو الاستهزاء والمقارنة بين أفراد الأسرة خاصة الأطفال منهم الذين هم بأمس الحاجة إلى الشعور بالأمان والاستقرار.
• دوام محاولة التجديد والتنويع حتى نتجنب الروتين المألوف، حتى لا يصاب الشخص/الأشخاص بالاكتئاب، القلق، الأرق، والخوف المتواصل.
• عدم التركيز على الفم (توجيه كلام، إعطاء أكل وشراب) فقط دون مخاطبة قلب ومشاعر الشخص المستهدف.
• ضرورة وضع الشخص/الأشخاص في دائرة صنع القرار، مع التركيز على أولوية سلامة الشخص المستهدف، مع الحرص على السلاسة والبساطة في التعامل، لكن دون الإسفاف والتقليل من شأن الحدث أو الوسيلة المقترحة.
• قد يكون من المفيد توظيف وسائل التواصل الاجتماعي وتعزيز دور الإعلام بكل أشكاله.
• لا بد من توظيف التقييم والتقويم للأساليب والتوصيات المستخدمة، وليبقَ الهاجس الأكبر لدينا هو: أي مستقبل ينتظر فلذات الأكباد وهم يعيشون هذه الأجواء الكريهة التي يسودها العنف القاتل والمدمّر، ليس فقط للشجر وللحجر، بل ولأحلام البشرية، بما فيهم عالم الأطفال واليافعين، بغدٍ مشرق يسوده الأمن والسلام والوئام؟!



دلالات

شارك برأيك

دور الأسرة في تعافي الأطفال من ويلات وانعكاسات ظروف الحروب


النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.