واشنطن – سعيد عريقات-15/3/2026
تحليل إخباري
تصاعدت حدة التوتر في منطقة الخليج بعد تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترمب التي أعلن فيها أن الولايات المتحدة تعمل على تشكيل تحالف بحري دولي لحماية مضيق هرمز وإبقائه مفتوحاً أمام حركة الملاحة العالمية، مشيراً إلى أن العديد من الدول قد ترسل سفناً حربية إلى المنطقة إلى جانب القوات الأميركية في إطار هذا التحرك العسكري الواسع. وقال ترمب إن بلداناً مثل الصين وفرنسا واليابان وكوريا الجنوبية والمملكة المتحدة تضررت من محاولات إيران عرقلة الملاحة في المضيق ولذلك يتعين عليها المشاركة في حمايته وفق تعبيره.
وأضاف أن القوات الأميركية دمرت ما وصفه بمئة في المئة من القدرة العسكرية الإيرانية، لكنه حذر في الوقت نفسه من أن طهران ما زالت قادرة على إرسال طائرات مسيّرة أو زرع ألغام بحرية أو إطلاق صواريخ قصيرة المدى على طول الممر المائي الحيوي. وأكد أن الولايات المتحدة ستواصل قصف الساحل الإيراني وإغراق القوارب والسفن العسكرية إذا اقتضى الأمر لضمان بقاء المضيق مفتوحاً وآمناً. وقال بلهجة حازمة إن واشنطن ستجعل مضيق هرمز آمناً وحراً بطريقة أو بأخرى قريباً.
هذه التصريحات جاءت بعد إعلان القيادة المركزية الأميركية تنفيذ ضربة عسكرية واسعة استهدفت جزيرة خرج الإيرانية، حيث أكدت أن القوات الأميركية قصفت أكثر من تسعين هدفاً عسكرياً خلال عملية وصفتها بالدقيقة.
وفي المقابل حذرت طهران من أن أي استهداف لمنشآتها الطاقة سيؤدي إلى رد مباشر على المصالح الأميركية في المنطقة. وقال وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي في مقابلة مع شبكة إنزبي.سي نيوز السبت إن بلاده ستستهدف الشركات الأميركية أو الشركات التي تملك فيها الولايات المتحدة حصصاً إذا تعرضت المنشآت الإيرانية للقصف من قبل الولايات المتحدة أو إسرائيل.
وأضاف أن طهران ستتصرف بحذر لتجنب إصابة المناطق المكتظة بالسكان، لكنه شدد على أن إيران لن تتردد في الرد على أي اعتداء. كما أشار إلى أن الضربات التي استهدفت جزيرة خرج انطلقت بحسب قوله من الإمارات العربية المتحدة وتحديداً من "رأس الخيمة" و"دبي"، مندداً باستخدام مناطق مأهولة كمنصات لإطلاق صواريخ "هايمارز" الأميركية.
وفي تطور مرتبط أعلن الحرس الثوري الإيراني أن المصالح الأميركية في الإمارات بما في ذلك الموانئ والأرصفة والمواقع العسكرية أصبحت أهدافاً مشروعة بعد الهجمات الأميركية، كما دعا السكان إلى الابتعاد عن المرافئ والقواعد العسكرية لتجنب وقوع ضحايا مدنيين.
وفي الوقت نفسه أفادت تقارير إعلامية باندلاع حريق في منشأة طاقة كبرى في الفجيرة بعد سقوط شظايا أثناء اعتراض طائرة مسيّرة من دون تسجيل إصابات بين العاملين. وتشير هذه التطورات إلى أن مضيق هرمز عاد ليكون مركز التوتر الرئيسي في الصراع بين واشنطن وطهران، حيث ترى الإدارة الأميركية أن حرية الملاحة خط أحمر لا يمكن السماح بتهديده، بينما تعتبر إيران أن الضغط العسكري والاقتصادي المتزايد يستهدف سيادتها وأمنها القومي، وهو ما يجعل المنطقة تقف على حافة مواجهة مفتوحة قد تتجاوز حدود المضيق لتطال مجمل توازنات الأمن والطاقة في الشرق الأوسط.
ويرى مراقبون أن تصريحات ترمب تعكس رغبة واضحة في تدويل المواجهة حول المضيق بدلاً من حصرها في صراع ثنائي مع إيران. فدعوة الدول الآسيوية والأوروبية لإرسال قطع بحرية تعني أن واشنطن تسعى إلى تقاسم كلفة حماية الممر النفطي الأهم في العالم، كما تحاول تعزيز شرعية تحركاتها العسكرية عبر إظهار أن المسألة لا تتعلق بصراع أميركي إيراني فقط بل بأمن الاقتصاد العالمي.
غير أن هذا الطرح يواجه تشكيكاً من الخبراء الذين يحذرون من أن أي حشد عسكري كبير في المضيق قد يزيد احتمالات الاحتكاك غير المقصود بين القوات البحرية ويحوّل الممر الضيق إلى ساحة استعراض قوة خطرة. كما أن اعتماد الردع العسكري وحده لا يضمن منع الهجمات المحدودة التي قد تنفذها قوى غير نظامية أو وحدات بحرية صغيرة، وهو سيناريو يخشى كثيرون أن يبقي أسواق الطاقة في حالة توتر دائمة خلال الفترة المقبلة خصوصاً إذا استمر التصعيد السياسي والعسكري بين الجانبين من دون وجود قنوات تفاوض فعالة قادرة على احتواء الأزمة قبل أن تنزلق المنطقة إلى مواجهة أوسع قد تؤثر في حركة التجارة العالمية واستقرار أسعار النفط والاقتصاد الدولي بأسره في المرحلة القريبة المقبلة على الأرجح.
ويكشف تصريح ترمب حول تأمين مضيق هرمز عن مقاربة أميركية تقليدية تقوم على القوة العسكرية بوصفها الأداة الأولى لإدارة الأزمات الدولية. غير أن هذه المقاربة تتجاهل أن الممرات البحرية الحساسة لا تُدار فقط بالردع العسكري بل بالتفاهمات السياسية والترتيبات الأمنية الإقليمية أيضًا. فأي تصعيد مفتوح حول المضيق قد يدفع طهران إلى الرد بأساليب غير متكافئة مثل الألغام البحرية والطائرات المسيّرة، وهي أدوات منخفضة الكلفة لكنها قادرة على إرباك الأساطيل الكبرى وإرباك أسواق الطاقة العالمية خلال ساعات قليلة فقط كما أن حشد تحالف بحري واسع قد
ويكشف التحذير الذي أطلقه وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي بدوره طبيعة الإستراتيجية الإيرانية في إدارة التصعيد مع واشنطن. فطهران تعرف أن ميزان القوة التقليدي يميل بوضوح لصالح الولايات المتحدة لذلك تلوّح باستهداف المصالح الاقتصادية والشركات بدلاً من مواجهة عسكرية مباشرة. فالشركات الطاقة والموانئ وشبكات النقل تمثل نقاط ضغط حقيقية على الاقتصاد العالمي. كما أن تهديد المصالح التجارية قد يخلق خلافات بين واشنطن وحلفائها الذين يعتمدون على استقرار التجارة والطاقة في الخليج أكثر مما يعتمدون على المغامرات العسكرية طويلة الأمد وهو ما تحاول إيران استثماره سياسياً.
أما البعد الأوسع لهذا التصعيد فيتعلق بمستقبل أمن الطاقة العالمي. فمضيق هرمز يمر عبره نحو خمس إمدادات النفط المنقولة بحراً في العالم، وأي اضطراب ولو محدود فيه ينعكس فوراً على أسعار النفط والتأمين والشحن الدولي. لذلك فإن الحديث عن تحالف بحري تقوده واشنطن لا يتعلق فقط بحماية الملاحة بل أيضاً بإعادة تأكيد النفوذ الأميركي في الخليج في وقت تزداد فيه محاولات قوى دولية أخرى مثل الصين لتوسيع حضورها الاقتصادي والبحري في المنطقة ما يجعل المضيق ساحة تنافس جيوسياسي مفتوح وليس مجرد ممر مائي حساس فقط.





شارك برأيك
مضيق هرمز على حافة الانفجار: ترمب يدعو لتحالف بحري وطهران تهدد المصالح الأميركية