تحليل

الخميس 12 مارس 2026 3:33 مساءً - بتوقيت القدس

طوفان الوعي وعزلة واشنطن: كيف أعادت حرب 2026 صياغة المشهد الإقليمي؟

تجاوزت الحرب التي اندلعت في الثامن والعشرين من فبراير عام 2026 حدود المواجهات العسكرية التقليدية، لتكشف عن تصدع عميق في بنية الشرعية الدولية. وقد انطلق هذا العدوان بتنسيق مباشر بين واشنطن وتل أبيب مستهدفاً العمق الإيراني، إلا أنه افتقر لأي غطاء قانوني من مجلس الأمن الدولي، مما جعله سابقة في تجاوز الدبلوماسية متعددة الأطراف.

بمقارنة هذا العدوان بغزو العراق عام 2003، يظهر بوضوح تآكل القدرة الأمريكية على حشد الدعم الدولي؛ فبينما تشكل سابقاً 'تحالف الراغبين'، وجدت واشنطن نفسها في عام 2026 في حالة عزلة سياسية شبه كاملة. وقد قوبل تبرير 'الدفاع الاستباقي' برفض واسع من الخصوم والحلفاء، مما يعكس تحولاً في قبول الرأي العام للتبريرات الأحادية.

شكل الموقف الأوروبي حرجاً بالغاً للمخططين في واشنطن، حيث تخلت دول الترويكا (فرنسا وألمانيا وبريطانيا) عن دورها التقليدي في دعم التحركات العسكرية الأمريكية. واكتفت هذه العواصم بالدعوة إلى التهدئة، محذرة من أن العملية تفتقر للشرعية وتنذر بزعزعة استقرار القارة الأوروبية وأسواق الطاقة العالمية.

برز الموقف البريطاني كأحد أهم التحولات الدبلوماسية، حيث وصف رئيس الوزراء الضربات بأنها 'غير قانونية' تحت قبة البرلمان. وأكدت لندن رفضها لسياسة تغيير الأنظمة عبر القصف الجوي، وهو ما اعتبره مراقبون خروجاً عن التقليد التاريخي للتنسيق الوثيق مع الإدارات الأمريكية في الأزمات الدولية.

لم يقتصر الرفض على القوى الكبرى، بل امتد ليشمل مواقف سيادية لافتة مثل قرار إسبانيا بمنع استخدام قواعدها العسكرية لتسهيل العمليات الجوية. وتوجت مدريد موقفها بسحب سفيرها من إسرائيل، في خطوة تعكس حجم الاستياء الدولي من تجاوز القوانين المنظمة للعلاقات بين الدول.

على الجبهة الداخلية الأمريكية، واجهت الإدارة معارضة شعبية بلغت 56% وفقاً لاستطلاعات الرأي، مما يشير إلى حالة إنهاك من سياسات تغيير الأنظمة الفاشلة. وبات الناخب الأمريكي يربط بشكل مباشر بين تكلفة المغامرات العسكرية الخارجية وتدهور الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية في الولايات المتحدة.

تجلت التناقضات الصارخة في تبرير الحرب بمنع إيران من امتلاك سلاح نووي، في حين أكدت تقارير الوكالة الدولية للطاقة الذرية غياب أدلة على وجود قرار سياسي إيراني بهذا الشأن. وفي المقابل، تواصل واشنطن دعم القوة النووية الوحيدة غير المعلنة في المنطقة، وهي إسرائيل، التي ترفض الانضمام لمعاهدة عدم الانتشار.

كشف هذا التناقض عن معايير مزدوجة تهدف لحماية التفوق الاستراتيجي الإسرائيلي، خاصة وأن الهجوم جاء في ظل وجود قنوات دبلوماسية مفتوحة في مسقط وجنيف. واعتبر محللون أن الاستهتار بمبدأ حسن النية في إدارة الأزمات يعكس انحداراً في الدبلوماسية الدولية لصالح منطق القوة والغطرسة.

يرتبط هذا التراجع في مصداقية السردية الأمريكية-الإسرائيلية بشكل وثيق بالتحول الذي أحدثته عملية 'طوفان الأقصى' في أكتوبر 2023. فقد ساهم التوثيق المباشر للدمار في غزة عبر منصات التواصل الاجتماعي في كسر الاحتكار الإعلامي الغربي، وخلق وعياً عالمياً جديداً يتجاوز البروباغندا التقليدية.

أظهرت البيانات الحديثة تحولاً غير مسبوق في الرأي العام الأمريكي، حيث بلغت نسبة التعاطف مع الفلسطينيين 41% متجاوزة نسبة التعاطف مع إسرائيل. وأصبح من الصعب تسويق الروايات الرسمية التي تتجاهل سياسات الفصل العنصري والانتهاكات المستمرة في الأراضي الفلسطينية المحتلة.

يتعمق التآكل في المصداقية عند ربط الحرب على إيران بالأهداف الإسرائيلية في الضفة الغربية، والتي شهدت في عام 2025 أوسع موجات الاستيطان. ويرى مراقبون أن التركيز على الخطر النووي ليس سوى واجهة لحرب جيوسياسية تهدف لتصفية القضية الفلسطينية والتمكين لمشروع 'إسرائيل الكبرى'.

من الناحية القانونية، انتهكت الحرب المادة 2(4) من ميثاق الأمم المتحدة التي تحظر استخدام القوة ضد الاستقلال السياسي للدول. كما أن التذرع بعقيدة 'الدفاع الاستباقي' واجه إشكالات قانونية لعدم توفر شرط التهديد الوشيك، مما يحول هذه التدخلات إلى شكل من أشكال 'إرهاب الدول'.

يفتح الانزلاق نحو استهداف القيادات السياسية الباب أمام فوضى دولية وتطبيع الاغتيالات كأداة سياسية، مما يهدد استقرار النظام العالمي برمته. وقد دفع هذا الواقع دول الجنوب العالمي إلى البحث عن تحالفات بديلة تضمن استقلالها الاستراتيجي بعيداً عن الهيمنة القطبية الواحدة.

في الختام، تؤكد حرب فبراير 2026 أن القوة العسكرية وحدها لا تكفي لحسم الصراعات في عصر المعلومات المفتوحة. إن 'دبلوماسية الشارع العالمي' باتت لاعباً أساسياً، حيث تشكل وعي الأجيال الجديدة عائقاً أمام تمرير السرديات التي تفتقر إلى الأساس الأخلاقي والقانوني.

دلالات

شارك برأيك

طوفان الوعي وعزلة واشنطن: كيف أعادت حرب 2026 صياغة المشهد الإقليمي؟

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.