تحليل

الخميس 12 مارس 2026 2:04 مساءً - بتوقيت القدس

مأزق الوسطية في مواجهة الشعبوية: قراءة في أطروحة ليام بيرن الجديدة

تشهد الساحة السياسية الغربية نقاشات فكرية محتدمة مع استمرار صعود التيارات الشعبوية وعودة اليمين إلى صدارة المشهد في عدة دول ديمقراطية. وفي هذا السياق، قدم السياسي العمالي البريطاني ليام بيرن قراءة تحليلية في كتابه الجديد 'لماذا يفوز الشعبويون وكيفية هزيمتهم'، محاولاً فهم الجذور العميقة لهذه الظاهرة التي أعادت تشكيل الخارطة السياسية الدولية.

يعتبر بيرن، الذي شغل منصب وزير في حكومة غوردون براون أن صعود الشعبوية ليس مجرد صدفة عابرة، بل هو نتيجة لتراجع الثقة في النخب التقليدية. ويأتي كتابه كنوع من المراجعة الفكرية لتجربة السياسة الوسطية التي واجهت انتقادات حادة بسبب سياسات التقشف التي أعقبت الأزمة المالية العالمية، والتي يرى محللون أنها مهدت الطريق للسخط الشعبي.

من المفارقات التي يطرحها الكتاب أن المؤلف نفسه ارتبط اسمه بواحدة من أشهر الأزمات السياسية في بريطانيا، وهي رسالة 'نفاذ السيولة' التي تركها لخلفه في وزارة الخزانة عام 2010. هذه الخلفية تجعل من محاولته لتحليل الشعبوية نوعاً من التكفير عن إرث سياسي ساهم بشكل غير مباشر في تعميق الفجوة بين الجمهور والنخبة الحاكمة.

يركز الكتاب بشكل دقيق على 'اللغة الشعبوية' كأداة رئيسية للسيطرة، حيث يرى بيرن أن السياسيين التقليديين يغرقون في لغة معقدة ومجردة تنفر الناخبين. في المقابل، يبرع الشعبويون في استخدام خطاب بسيط ومباشر يجمع بين الودية والحزم، مما يخلق انطباعاً بالقيادة القوية والقرب من هموم الشارع.

يضرب المؤلف مثالاً بالسياسي نايجل فراج، موضحاً كيف ينجح هذا التيار في صياغة خطاب يشبه أحاديث الأصدقاء في المقاهي لكنه يحمل نبرة عسكرية حاسمة. هذه القدرة على تبسيط القضايا المعقدة تمنح الشعبويين تفوقاً ملحوظاً في فضاءات التواصل الاجتماعي التي تفضل الرسائل القصيرة والمؤثرة عاطفياً.

يتطرق التحليل أيضاً إلى التناقضات البنيوية التي تعيشها هذه الحركات، فهي تدعي محاربة النخب بينما تتلقى تمويلاً من كبار الأثرياء. كما أنها ترفع شعارات الحرية المطلقة في حين تميل ممارساتها نحو السلطوية، خاصة في ملفات الهجرة والأمن القومي، مما يكشف عن هشاشة أخلاقية خلف الستار الجماهيري.

ومن الجوانب الفكرية المثيرة في الكتاب، إشارة بيرن إلى استلهام بعض الحركات الشعبوية لأفكار المفكر الماركسي أنطونيو غرامشي. فقد وظفت هذه التيارات مفهوم 'الحس المشترك' لإعادة تشكيل الثقافة السياسية السائدة، مما يثبت أن الشعبوية تمتلك أدوات فكرية واعية وليست مجرد رد فعل عاطفي عفوي.

ومع ذلك، يواجه كتاب بيرن انتقادات تتعلق بتركيزه الحصري على الشعبوية اليمينية وتجاهله لتجارب الشعبوية اليسارية التي صعدت في عدة مدن غربية. هذا الاختزال قد يعيق فهم الصورة الكاملة للأزمة، حيث يرى نقاد أن تجاهل دور اليسار الراديكالي يضعف من قدرة الوسط على تقديم بديل شامل.

يشير المحللون إلى أن السياسات الاقتصادية التي تبنتها الحكومات الوسطية في العقود الماضية هي التي عمقت عدم المساواة الاجتماعية. وبدون معالجة هذه الفوارق الاقتصادية الصارخة، سيبقى خطاب الغضب والتمرد الذي يغذيه الشعبويون يجد صدى واسعاً لدى الفئات المهمشة والمتضررة من العولمة.

في محاولة لتقديم مخرج، يقترح بيرن ما يسمى بوصفة 'الوسط الراديكالي' التي تهدف إلى استعادة المبادرة من يد الشعبويين. تتضمن هذه الوصفة خطوات عملية مثل فضح الارتباطات المشبوهة بين القادة الشعبويين والنخب المالية، وتشديد الرقابة على تمويل الأحزاب السياسية لضمان نزاهة العملية الديمقراطية.

كما يدعو الكتاب إلى ضرورة استعادة الناخبين المعتدلين الذين انخرطوا في المعسكر الشعبوي نتيجة الإحباط وليس القناعة الأيديولوجية. ويرى بيرن أن هذا يتطلب خطاباً سياسياً جديداً يلامس تطلعاتهم الحقيقية ويعيد بناء جسور الثقة التي تحطمت خلال سنوات الأزمات المتلاحقة.

تعتبر العدالة الضريبية ركيزة أساسية في استراتيجية بيرن، حيث يطالب بزيادة الضرائب على الأغنياء لتمويل الخدمات العامة المتهالكة. ويؤكد أن النظام الضريبي الحالي لا يعبر عن القيم الأخلاقية للمجتمع، وأن إصلاحه يعد خطوة جوهرية لاستعادة شرعية الدولة في نظر مواطنيها.

رغم طموح هذه المقترحات، يبقى التساؤل قائماً حول مدى كفايتها لإيقاف مد جارف أصبح متجذراً في البنية الاجتماعية والسياسية العالمية. فالشعبوية اليوم لم تعد مجرد ظاهرة انتخابية عابرة، بل هي تعبير عن أزمة وجودية تعصف بالمؤسسات الديمقراطية التي لم تعد قادرة على تلبية احتياجات العصر.

في الختام، يقدم كتاب ليام بيرن مساهمة هامة في فهم آليات الخطاب الشعبوي، لكنه يظل أسيراً لمحدودية الرؤية الوسطية. إن مواجهة الشعبوية تتطلب تحولات هيكلية تتجاوز مجرد الإصلاحات السطحية، نحو بناء مشاريع سياسية بديلة تمتلك القدرة على إقناع الجماهير بمستقبل أكثر عدلاً واستقراراً.

دلالات

شارك برأيك

مأزق الوسطية في مواجهة الشعبوية: قراءة في أطروحة ليام بيرن الجديدة

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.