12 مارس 2026
تحليل إخباري
واشنطن – الأسبوع الماضي طرحت سؤالاً مباشراً على مسؤول أمريكي رفيع المستوى: ما هو وضع مبادرة الإدارة المسماة “مجلس السلام” الخاصة بغزة؟ هل تم إلغاؤها؟
جاء الرد سريعاً وبثقة: لا. الجهود ما زالت مستمرة.
لكن الواقع الذي يتكشف في أنحاء الشرق الأوسط يوحي بعكس ذلك.
فخلف اللغة المطمئنة الصادرة من واشنطن، تبدو الآلية الدبلوماسية التي كان يفترض أن تدفع خطة الرئيس دونالد ترامب لإنهاء الحرب في غزة إلى الأمام، متوقفة إلى حد كبير.
وتقول مصادر مطلعة إن المفاوضات الهادفة إلى دفع الخطة قدماً تعثرت الأسبوع الماضي، تماماً في الوقت الذي دخلت فيه المنطقة مرحلة أكثر خطورة بعد الضربة العسكرية المشتركة بين الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران.
وقد أشعل هذا التصعيد مواجهة إقليمية أوسع، ومعها حدث تحول حاد في الأولويات.
مبادرة غزة — التي قدمتها الإدارة في وقت سابق باعتبارها ركناً أساسياً من دبلوماسيتها الإقليمية — تبدو الآن متوارية بشكل متزايد خلف المتطلبات العاجلة لصراع آخذ في الاتساع.
ومنذ البداية، واجهت المبادرة صعوبة في كسب زخم دولي حقيقي.
فحتى قبل التصعيد الحالي، فشل ما يسمى مجلس السلام في الحصول على دعم دبلوماسي واسع من الجهات الإقليمية والدولية الرئيسية التي سيكون دعمها ضرورياً لأي ترتيب مستدام لما بعد الحرب في غزة.
وقد تساءلت عدة حكومات بشكل غير معلن عن بنية المبادرة وقدرة واشنطن على توفير الظروف السياسية اللازمة لنجاحها.
وكان المحللون متشككين منذ البداية. فحتى عندما أعلن ترامب مبادرة “مجلس السلام” خلال ظهوره في المنتدى الاقتصادي العالمي في يناير، رفض بعض خبراء المنطقة الاقتراح بهدوء واعتبروه مشروعاً ميتاً منذ ولادته.
فخطة تقوم على نزع سلاح حماس طوعاً — دون تسوية سياسية أوسع، أو آليات تنفيذ موثوقة، أو دعم واضح من الجهات الإقليمية الكبرى — من غير المرجح أن تحقق تقدماً.
وقد حذر هؤلاء في حينه من أن المبادرة قد تتحول إلى مجرد فكرة دبلوماسية أخرى أُعلن عنها بضجة إعلامية لكنها تفتقر إلى الظروف السياسية اللازمة للاستمرار.
ومع ذلك، وقبل التصعيد الأخير، كانت الإدارة قد استثمرت جهداً دبلوماسياً كبيراً في محاولة بناء إطار سياسي لغزة حول هذه الفكرة.
وكان جوهر المقترح يقوم على فكرة مثيرة للجدل لكنها عملية: إقناع مقاتلي حماس بتسليم أسلحتهم مقابل إعادة إعمار غزة ومنحهم عفواً واسعاً.
ويرى مؤيدو الفكرة أن نزع السلاح يمكن أن يفتح الباب أمام إعادة إعمار واسعة النطاق، ويسمح في نهاية المطاف بانسحاب إسرائيلي تدريجي من القطاع المدمر.
ووفقاً لمصادر مطلعة على الجهود، فإن وسطاء من البيت الأبيض سهلوا بهدوء اتصالات غير مباشرة بين إسرائيل وحماس عبر وسطاء إقليميين.
وقد ركزت تلك المناقشات الحساسة أساساً على آليات نزع السلاح والترتيبات السياسية التي قد تلي ذلك.
لكن هذه المحادثات توقفت فجأة عندما بدأت المواجهة العسكرية مع إيران في 28 فبراير.
وعلناً، تصر الإدارة على أن شيئاً أساسياً لم يتغير.
فقد رفض مسؤول في البيت الأبيض الاقتراحات بأن المفاوضات قد توقفت، مؤكداً أن المناقشات حول نزع السلاح ما زالت مستمرة وتظل بناءة.
وبحسب المسؤول، ما زال الوسطاء يعتقدون أن حل مسألة السلاح أمر أساسي لفتح الباب أمام المليارات الموعودة لإعادة إعمار غزة.
كما يقلل المسؤولون المرتبطون بما يسمى مجلس السلام من أهمية التوقف، ويصورونه على أنه مجرد انقطاع لوجستي مؤقت.
ويقولون إن اضطرابات حركة الطيران الإقليمية منعت الوسطاء من الوصول إلى القاهرة، حيث جرت عدة جولات من المفاوضات سابقاً.
بل إن بعض المسؤولين يذهبون إلى حد القول إن الحرب الحالية قد تعزز جهود السلام في نهاية المطاف.
فإذا تراجع النفوذ الإيراني في المنطقة، فإن الشبكات المالية والعسكرية التي تدعم حماس قد تضعف أيضاً.
ومن الناحية النظرية، قد يجعل ذلك مسألة نزع السلاح أسهل.
لكن مسؤولين إقليميين يقدمون تقييماً أقل تفاؤلاً بكثير.
فقد أكد مصدر فلسطيني مشارك في الوساطة أن اجتماعاً بين قادة حماس ووسطاء من مصر وقطر وتركيا كان مقرراً في اليوم ذاته الذي اندلعت فيه الحرب.
لكن الاجتماع لم يحدث.
إذ تم إلغاؤه فجأة مع تدهور الوضع الإقليمي، ولم يتم تحديد موعد بديل حتى الآن.
كما أكد مسؤول آخر في حماس أن المحادثات المرتبطة بمبادرة ترامب قد توقفت فعلياً في الوقت الراهن، لكنه رفض الخوض في التفاصيل.
أما الحكومة الإسرائيلية فلم تقدم أي تفسير علني واضح بشأن وضع المفاوضات.
وفي عالم الدبلوماسية، كثيراً ما يكون الصمت معبّراً بحد ذاته.
فحتى مع إصرار بعض المسؤولين على أن شكلاً من أشكال الحوار ما زال مستمراً، يبدو أن البنية الدبلوماسية الأوسع التي كانت تدعم المبادرة آخذة في التقلص.
ويقول دبلوماسيون أجانب إن مركز التنسيق المدني العسكري الذي تقوده الولايات المتحدة، والذي كان يشرف على تنفيذ الخطة من جنوب إسرائيل، قد قلّص عملياته بشكل كبير.
كما تم تقليص عدد الموظفين والأنشطة إلى الحد الأدنى وسط مخاوف من احتمال تعرضه لصواريخ إيرانية.
والواقع الاستراتيجي يصعب تجاهله: فاهتمام واشنطن يتركز الآن بشكل شبه كامل على إدارة المواجهة مع طهران.
وفي مثل هذا السياق، تتراجع قضية غزة حتماً على سلم الأولويات السياسية العاجلة.
ومع ذلك، فإن التطورات على الأرض ما زالت تحمل عواقب خطيرة.
فالمسؤولون الإسرائيليون يؤكدون أن نزع سلاح الفصائل المسلحة في غزة شرط غير قابل للتفاوض، محذرين من أن العمليات العسكرية قد تتصاعد إذا لم يتم التوصل إلى اتفاق.
كما استمرت الغارات الجوية الإسرائيلية داخل القطاع بشكل متقطع، رغم انخراط إسرائيل في جبهات إقليمية أخرى.
وقبل بضعة أشهر فقط، بدا أن مبادرة الإدارة بشأن غزة بدأت تكتسب زخماً حذراً.
فقد أدى وقف إطلاق النار الذي تم التوصل إليه في أكتوبر الماضي إلى خفض مستوى العنف، وسمح بإعادة فتح عدة معابر حدودية.
كما أشارت حكومات إقليمية — وخاصة دول الخليج الغنية — إلى استعدادها للمساهمة بمليارات الدولارات لإعادة الإعمار إذا أمكن التوصل إلى ترتيب سياسي مستدام.
لكن هذا الزخم الدبلوماسي الهش يبدو الآن قد تبدد تحت ضغط حرب إقليمية آخذة في الاتساع.
فمبادرات السلام نادراً ما تنجو من صدمة المواجهات العسكرية الكبرى، خصوصاً في الشرق الأوسط.
فالمفاوضات تحتاج إلى وقت واهتمام سياسي وتركيز دبلوماسي مستمر — وهي موارد تصبح نادرة بسرعة عندما تبدأ الصواريخ بالتحليق عبر المنطقة.
وهذا يعيدنا إلى السؤال الذي طرحته على المسؤول الأمريكي.
رسمياً، ما زال مجلس السلام قائماً، على الأقل على الورق.
لكن عملياً، تبدو المبادرة تائهة — وقد تجاوزتها الحرب والتصعيد الإقليمي والحقائق الاستراتيجية التي كانت تكافح أصلاً لتجاوزها حتى قبل الأزمة الحالية.
في الوقت الحالي، لم يُعلن رسمياً عن وفاة مسار السلام في غزة.
لكن من الواضح أنه اختفى عن الأنظار.





شارك برأيك
مجلس السلام المفقود