واشنطن – سعيد عريقات-11/3/2026
تحليل إخباري
مع كل تصعيد عسكري من قبل الولايات المتحدة وإسرائيل في حربهما على إيران ، يتجدد السؤال المركزي في السياسة الدولية: كيف يمكن أن تنتهي هذه الحرب؟ فالحروب الحديثة، خصوصاً في الشرق الأوسط، نادراً ما تنتهي بانتصار عسكري حاسم لطرف واحد. وغالباً ما تنتهي بتسويات سياسية غير معلنة، أو بتوازنات جديدة تعيد تشكيل الإقليم. وفي حالة الصراع مع إيران، تبدو ثلاثة سيناريوهات رئيسية محتملة، تتراوح بين احتواء التصعيد، وإعادة تشكيل التحالفات الإقليمية، أو الانزلاق إلى حرب طويلة ومكلفة.
السيناريو الأول هو ما يمكن تسميته بـ"انتصار متبادل". ففي هذا المسار قد تشن الولايات المتحدة ضربات عسكرية مكثفة تستهدف المنشآت النووية الإيرانية والبنية التحتية العسكرية الحساسة. وفي هذه الحالة، يمكن لرئيس أمريكي مثل دونالد ترمب أن يعلن أن العملية نجحت في تدمير أو تأخير البرنامج النووي الإيراني لسنوات، مقدماً ذلك بوصفه نصراً استراتيجياً.
لكن إيران بدورها ستعلن النصر أيضاً. فالنظام الإيراني بقيادة المرشد الأعلى مجتبى خامنئي سيؤكد أن الجمهورية الإسلامية صمدت أمام العدوان الأميركي والإسرائيلي، وأنها حافظت على سيادتها ولم تنهار تحت الضربات. في هذا السياق، يصبح البقاء بحد ذاته شكلاً من أشكال النصر السياسي.
وقد يترافق هذا السيناريو مع تهديد أو إغلاق مؤقت لمضيق هرمز، وهو الممر الذي يعبر عبره أكثر من 20 في المئة من صادرات النفط العالمية. لكن الضغط الدولي، خصوصاً من الدول المستهلكة للطاقة، سيدفع نحو إعادة فتح الممر البحري بسرعة. وبعد مرحلة من التوتر، قد تستأنف القنوات الدبلوماسية غير المباشرة عبر وسطاء إقليميين مثل قطر وعمان.
مثل هذا السيناريو ليس جديداً في تاريخ المنطقة. فقد انتهت حروب عديدة بطريقة تسمح لكل طرف بإعلان النصر أمام جمهوره الداخلي، رغم أن الواقع كان أقرب إلى حالة جمود استراتيجي.
السيناريو الثاني يتجاوز ساحة المعركة ليمس البنية الجيوسياسية للمنطقة. فالحرب، حتى لو كانت محدودة، قد تدفع دول الخليج إلى إعادة تقييم تحالفاتها الإستراتيجية. دول مجلس التعاون الخليجي ، وعلى رأسها المملكة العربية السعودية وUnitedدولة الأمارات العربية وقطر، قد تتجه إلى سياسة توازن أكثر وضوحاً بين القوى الكبرى.
وفي السنوات الأخيرة، بدأت هذه الدول بالفعل بتوسيع علاقاتها مع قوى دولية مثل روسيا والصين، سواء في مجالات الطاقة أو الاقتصاد أو الدبلوماسية. وقد تجسد هذا الاتجاه بوضوح عندما لعبت بكين دور الوسيط في التوصل إلى التقارب السعودي الإيراني عام 2023 ، وهو اتفاق أعاد العلاقات بين الرياض وطهران بعد سنوات من القطيعة.
في هذا السيناريو، لن تنسحب الولايات المتحدة من المنطقة، لكنها قد تفقد موقعها كالقوة المهيمنة الوحيدة. وستسعى دول الخليج إلى تنويع شراكاتها الإستراتيجية لتقليل اعتمادها على طرف واحد.
أما السيناريو الثالث فهو الأكثر خطورة والأقل احتمالاً: حرب أميركية شاملة مع إيران. فغزو إيران برياً سيتطلب نشر مئات الآلاف من الجنود، وسيكون أكبر بكثير من العمليات العسكرية التي شهدتها المنطقة في العقود الماضية.
للمقارنة، شارك نحو 150 ألف إلى 200 ألف جندي أميركي في غزو العراق عام 2003. لكن إيران دولة أكبر بكثير من العراق من حيث المساحة والسكان، كما أنها تمتلك تضاريس جبلية معقدة وترسانة صاروخية كبيرة.
إضافة إلى ذلك، تمتلك إيران شبكة واسعة من الحلفاء والقوى المسلحة في المنطقة، فضلاً عن مؤسسات عسكرية قوية مثل الحرس الثوري . وقد يؤدي أي غزو إلى تصعيد إقليمي واسع يشمل قوى مثل "حزبالله في لبنان، إضافة إلى فصائل مسلحة في العراق.
وفي هذا السياق، قال السيناتور الديمقراطي ريتشارد بلومنثال للصحفيين يوم الثلاثاء إنه يعتقد أن إدارة ترمب "تسير على طريق قد يؤدي إلى نشر قوات أميركية برية في إيران".
وجاءت تصريحات بلومنثال عقب خروجه من جلسة إحاطة سرية خُصصت لأعضاء لجنة القوات المسلحة في مجلس الشيوخ.
وفي سياق متصل، أقر البنتاغون يوم الثلاثاء بأن ما لا يقل عن 150 جنديًا أميركيًا أصيبوا حتى الآن في الحرب الأميركية-الإسرائيلية على إيران.
في هذه الحالة، قد تتحول الحرب إلى صراع طويل يشبه الحرب في أفغانستان ، لكنه سيكون أكثر تعقيداً واتساعاً، مع تداعيات اقتصادية وسياسية عالمية.
كما سيعيد هذا السيناريو الجدل حول إستراتيجية رئيس وزراء إسرائيل، الذي عمل عبر أربعين عاما لجر الولايات المتحدة لشن حرب على إيران وفق قوله، تحت ذريعة البرنامج النووي الإيراني ، وأخيرا نجح بإقناع الرئيس الأميركي ترمب بشن هذه الحرب في نهاية المطاف.
في النهاية، يبدو أن العامل الحاسم في تحديد مسار الحرب لن يكون فقط القوة العسكرية، بل أيضاً القدرة السياسية على إدارة التصعيد وتجنب الانزلاق إلى حرب مفتوحة. فإغلاق مضيق هرمز بشكل طول، قد يؤدي إلى صدمة اقتصادية عالمية بسبب ارتفاع أسعار النفط. كما أن الرأي العام الأميركي، بعد تجربتي العراق وأفغانستان، بات أقل استعداداً لدعم حروب طويلة في الشرق الأوسط.
وفي المقابل، تعتمد الإستراتيجية الإيرانية تقليدياً على الصبر الاستراتيجي والحروب غير المتكافئة، بدلاً من المواجهة العسكرية المباشرة مع قوة عظمى.
لهذا السبب، يرى كثير من المحللين أن النهاية الأكثر ترجيحاً قد تكون مزيجاً من السيناريو الأول والثاني: مواجهة عسكرية محدودة يعقبها إعلان متبادل للنصر، ثم عودة تدريجية إلى الدبلوماسية، بالتوازي مع تحولات أعمق في بنية التحالفات الإقليمية.
وفي مثل هذه النهاية، قد لا يكون هناك منتصر حقيقي، بل مجرد بداية مرحلة جديدة في توازن القوى في الشرق الأوسط.
الحروب في الشرق الأوسط غالباً ما تنتهي بطريقة تسمح لكل طرف بكتابة روايته الخاصة للنصر. فالقوة العسكرية لا تتحول دائماً إلى مكاسب سياسية واضحة. الولايات المتحدة قد تدمر أهدافاً إستراتيجية داخل إيران، لكنها لا تستطيع بسهولة تغيير طبيعة النظام أو فرض استقرار طويل الأمد. في المقابل، قد تعتبر طهران مجرد صمودها أمام الهجوم نصراً سياسياً ومعنوياً. وهكذا تتحول الحرب إلى صراع على السرديات بقدر ما هي مواجهة عسكرية، حيث يصبح الرأي العام الداخلي عاملاً أساسياً في تعريف معنى "النصر".
كما أن التغيرات الجيوسياسية في الخليج قد تكون النتيجة الأعمق للحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران. فدول المنطقة لم تعد تنظر إلى النظام الدولي باعتباره أحادي القطب. فقد منح صعود الصين وعودة روسيا إلى المسرح الدولي هذه الدول خيارات أوسع. لذلك قد تدفع الحرب بعض الحكومات الخليجية إلى تسريع سياسة التوازن بين القوى الكبرى، بدلاً من الاعتماد الكامل على المظلة الأمنية الأميركية. هذه السياسة لا تعني القطيعة مع واشنطن، لكنها تعكس إدراكاً متزايداً بأن النظام الدولي يتجه نحو تعددية قطبية.
ولعل أخطر سيناريو يبقى الانزلاق إلى حرب طويلة وشاملة. فالتاريخ القريب يظهر أن الحروب التي تبدأ بضربات محدودة يمكن أن تتوسع بسرعة بفعل الحسابات الخاطئة أو الضغوط السياسية. وإذا تحولت المواجهة إلى حرب برية داخل إيران، فإنها قد تعيد تشكيل الشرق الأوسط لعقود. مثل هذا الصراع لن يقتصر على حدود إيران، بل قد يمتد إلى العراق ولبنان والخليج. وفي هذه الحالة، لن تكون الكلفة عسكرية فقط، بل اقتصادية وسياسية على النظام الدولي بأكمله.





شارك برأيك
كيف يمكن أن تنتهي الحرب مع إيران؟ سيناريوهات النهاية وتوازنات ما بعد الصراع