مع دخول الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران يومها الحادي عشر، تتكشف تداعيات واسعة لا تقتصر على حدود المواجهة العسكرية، بل تمتد لتطال قضايا إقليمية أخرى، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية. فبحسب الدكتور علي الجرباوي، أستاذ العلوم السياسية في جامعة بيرزيت والوزير الفلسطيني السابق، تحولت القضية الفلسطينية في ظل هذه الحرب إلى ما يمكن وصفه بـ«الصراع المنسي».
يرى الجرباوي أن ما يجري في المنطقة لم يعد مجرد مواجهة محدودة، بل أصبح حرباً إقليمية منذ يومها الأول، نظراً لتداخل أطراف عديدة فيها. فرغم أن المشهد الظاهر يوحي بأن الصراع يدور بين إسرائيل والولايات المتحدة من جهة وإيران من جهة أخرى، فإن الواقع يكشف عن تورط دول إقليمية كبرى بشكل مباشر أو غير مباشر. كما أن تداعيات الحرب تجاوزت حدود الإقليم لتطال الاقتصاد العالمي، خاصة في ظل اضطراب أسواق الطاقة واحتمالات إغلاق مضيق هرمز، وهو ما انعكس على تجارة النفط والغاز في العالم.
القضية الفلسطينية في ظل حرب أكبر
ضمن هذا المشهد المضطرب، يعتقد الجرباوي أن القضية الفلسطينية أصبحت في مرتبة متأخرة على أجندة الاهتمام الدولي. فالصراعات الكبرى، كما يقول، غالباً ما تطغى على الصراعات الأصغر، وهو ما ينطبق على الوضع الفلسطيني حالياً. فالحرب الإقليمية غطّت على ما يحدث في قطاع غزة والضفة الغربية والقدس، حيث تراجعت المتابعة الدولية لما يجري هناك.
ويشير إلى أن التطورات الميدانية تعكس ذلك بوضوح؛ فقد توقّف الحديث الدولي عن المراحل السياسية المتعلقة بالحرب على غزة، كما أُعيد إغلاق معبر رفح بعد أن كان قد فتح جزئياً في السابق. وفي الوقت نفسه تصاعدت هجمات المستوطنين في الضفة الغربية وأصبحت أكثر عنفاً، بينما يغيب الاهتمام العالمي بما يجري على الأرض.
من وجهة نظره، تستغل إسرائيل انشغال العالم بالحرب لتسريع سياساتها على الأرض، خاصة في مجال التوسع الاستيطاني وفرض وقائع جديدة في الضفة الغربية. وبذلك يدفع الفلسطينيون ثمن صراع أكبر منهم، في تجسيد واضح للمقولة التي تفيد بأن «الصراعات الصغيرة تدفع ثمن الصراعات الكبيرة».
سيناريوهات ما بعد الحرب
على المدى البعيد، يربط الجرباوي مستقبل القضية الفلسطينية بنتائج الحرب الدائرة. فإذا خرجت إسرائيل منتصرة وتمكنت من إضعاف النظام الإيراني بشكل كبير أو تغييره، فإن موازين القوى الإقليمية قد تتبدل بطريقة قد تزيد الضغوط على الفلسطينيين. كما أن دول الخليج، في هذه الحالة، قد تنشغل بترتيب أوضاعها الأمنية والسياسية، ما قد يقلل من حضور القضية الفلسطينية في أولوياتها.
الخيارات الفلسطينية المحدودة
في ظل هذا الواقع، لا يرى الجرباوي أن لدى الفلسطينيين خيارات واسعة على المستوى الدولي أو الإقليمي في الوقت الراهن، فمعظم القوى منشغلة بالحرب وتداعياتها. لذلك يعتبر أن الأولوية يجب أن تكون لترتيب البيت الداخلي الفلسطيني، خصوصاً في ظل الأزمة المالية الخانقة التي تعاني منها السلطة الفلسطينية وتدهور الاقتصاد في الضفة الغربية نتيجة السياسات الإسرائيلية واحتجاز أموال الضرائب الفلسطينية.
ويؤكد أن هذه الأزمة الاقتصادية تنعكس مباشرة على القدرة على إدارة الوضع الداخلي، ما يزيد من حالة الإحباط الشعبي ويضعف الثقة بين المجتمع والقيادة السياسية. ولذلك يرى أن تعزيز اللحمة الوطنية وبناء خطاب سياسي موحّد أصبح ضرورة ملحّة، حتى لو لم يكن كافياً لحل المشكلة بشكل كامل.
احتمالات التصعيد في الضفة الغربية
مع تدهور الوضع الاقتصادي وتصاعد اعتداءات المستوطنين، يعتقد الجرباوي أن احتمالات التصعيد في الضفة الغربية أصبحت أكبر. فغياب السيولة المالية وشلل النشاط الاقتصادي يخلقان بيئة اجتماعية متوترة، تترافق مع حالة متزايدة من انعدام الأمن في بعض المناطق.
وفي هذا السياق، يرى أن تقوية العلاقة بين المستوى الرسمي والمجتمع الفلسطيني قد تساعد على تخفيف التوترات وإعادة قدر من الثقة، ولو بشكل جزئي.
نهاية حل الدولتين؟
من القضايا التي يتوقف عندها الجرباوي أيضاً مسألة حل الدولتين، حيث يؤكد أن هذا الحل انتهى عملياً منذ سنوات، وما تبقى منه مجرد شعار سياسي يُستخدم في الخطاب الدولي دون ترجمة حقيقية على الأرض. فالتوسع الاستيطاني وتقطيع أوصال الأراضي الفلسطينية جعلا قيام دولة فلسطينية قابلة للحياة أمراً شبه مستحيل.
ويرى أن استمرار التمسك بهذا الشعار يهدف أساساً إلى إدارة الصراع بدلاً من حله، وهو ما يمنح الوقت لاستمرار الوقائع المفروضة على الأرض. لذلك يدعو إلى طرح أسئلة استراتيجية جديدة حول مستقبل المشروع الوطني الفلسطيني والبحث عن بدائل واقعية.
البعد الديني في الصراع
يشير الجرباوي أيضاً إلى تصاعد البعد الديني في الخطاب السياسي الإسرائيلي، خاصة في ظل صعود التيارات اليمينية الدينية داخل الحكومة. فهذه التيارات، بحسب رأيه، تستند إلى أيديولوجية دينية تدفع باتجاه السيطرة على كامل فلسطين التاريخية وربما التوسع خارجها، كما يظهر في السياسات الإسرائيلية تجاه دول الجوار مثل سوريا ولبنان.
وفي هذا السياق، يلفت إلى ما يجري في المسجد الأقصى من اقتحامات وقيود على الصلاة، معتبراً أن ردود الفعل في العالم الإسلامي لا تزال دون مستوى التحدي الذي تفرضه هذه السياسات.
خلاصة
في المحصلة، يرى الجرباوي أن القضية الفلسطينية تمرّ بمرحلة شديدة الحساسية، إذ تتقاطع أزمتها الداخلية مع تحولات إقليمية كبرى قد تعيد رسم خريطة المنطقة. وبينما ينشغل العالم بحرب إقليمية واسعة، يجد الفلسطينيون أنفسهم في موقع «الصراع المنسي»، ما يجعل ترتيب البيت الداخلي وبناء استراتيجية سياسية جديدة أمراً أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى.





شارك برأيك
علي الجرباوي: الصراع المنسي و كيف غطّت الحرب الإقليمية على القضية الفلسطينية