أفاد تقرير نشرته صحيفة 'واشنطن بوست' بأن النظام الإيراني لا يزال يفرض سيطرته الكاملة على مفاصل الدولة، رغم الخسائر الفادحة والضربات المدمرة التي تعرض لها مؤخراً. وأوضح التقرير أن بنية النظام الحاكم في طهران أظهرت قدرة على الاستمرار أثارت دهشة الخبراء والمسؤولين الغربيين الذين راقبوا سير العمليات العسكرية.
وعلى الرغم من الحرب المكثفة التي تشنها الولايات المتحدة وإسرائيل، إلا أن القيادة الإيرانية حافظت على تماسكها الداخلي بشكل ملحوظ. ووفقاً لمسؤولين أوروبيين وعرب مطلعين على تقييمات الوضع، فإن هذه الظروف لم تؤثر على قبضة النظام على السلطة، رغم أنها عرقلت بعض الإجراءات البروتوكولية مثل اختيار خلف للمرشد الأعلى.
وتشير التقييمات إلى أن طهران كانت قد جهزت نفسها مسبقاً لهذا النوع من الصراعات الوجودية عبر بناء هياكل قيادة مرنة. هذه الهياكل صُممت خصيصاً لتحمل ضربات استهدافية مباشرة، مما سمح للنظام بمواصلة توجيه ضربات انتقامية إقليمية في غضون ساعات فقط من تعرضه للهجوم.
ميدانياً، نقلت مصادر عن وجود أمني مكثف في شوارع المدن الإيرانية الرئيسية، حيث تواصل قوات الباسيج شبه العسكرية تسيير دورياتها على الدراجات النارية. هذا الحضور الأمني يهدف إلى منع أي محاولات للاضطراب الداخلي وضمان بقاء الشارع تحت السيطرة الصارمة للأجهزة السيادية.
في المقابل، تفاخرت الإدارة الأمريكية بنجاح عملياتها في تصفية عدد من كبار القادة الإيرانيين وتدمير مراكز القيادة والسيطرة. وصرح وزير الدفاع الأمريكي بأن ما وصفه بـ 'مجلس الحكم' قد تشتت بين قتيل ومختبئ في الملاجئ، معتبراً أن ذلك يمثل ضربة قاصمة لقدرة النظام على اتخاذ القرار.
لكن التقييمات الاستخباراتية الأوروبية والعربية لا تزال تتبنى وجهة نظر مغايرة للرواية الأمريكية الرسمية بشأن الانهيار الوشيك. حيث أكد مسؤول أوروبي بارز للصحيفة أنه لا توجد أي مؤشرات على انشقاقات داخل الصفوف العسكرية أو اندلاع انتفاضات شعبية واسعة النطاق حتى اللحظة.
ويعزو الخبراء هذه المتانة إلى 'النظام متعدد المستويات' الذي تعتمده طهران في توزيع السلطة والمسؤوليات العسكرية. هذا النظام يضمن تعيين بدلاء فوريين لأي شخصية رئيسية يتم اغتيالها، وهو ما حدث بالفعل عقب مقتل وزير الدفاع في غارات جوية مؤخراً.
لا يوجد أي مؤشر على انهيار أي شيء في النظام، لا شيء، صفر؛ السيطرة لا تزال كاملة.
وكانت تقديرات حلفاء واشنطن في المنطقة تشير إلى أن اغتيال القيادات العليا سيكون نقطة تحول تشعل ثورة داخلية ضد النظام. إلا أن الواقع الميداني أظهر وحدة غير متوقعة في صفوف أجهزة الدولة، مما أربك حسابات المراقبين الذين توقعوا تصدع الجبهة الداخلية الإيرانية بسرعة.
وتواجه إيران حالياً انقطاعاً شبه تام في شبكة الإنترنت، مما يجعل الحصول على معلومات دقيقة من الداخل أمراً في غاية الصعوبة. ومع ذلك، تظهر التحليلات البصرية أضراراً جسيمة لحقت بالمباني الحكومية والمنشآت العسكرية الحيوية نتيجة القصف المتواصل الذي استهدف آلاف المواقع.
من جانبه، يرى المحلل غريغوري برو أن إيران أُضعفت عسكرياً بشكل كبير بعد تدمير معظم أسطولها البحري ومخازن صواريخها الباليستية. وأشار إلى أن القصف يدمر البنية المادية للجمهورية الإسلامية، لكنه قد لا ينجح بالضرورة في تفكيك البنية التنظيمية للقوات الأمنية التي تنتشر بسرعة.
وتشير المصادر إلى أن قوات الشرطة والباسيج تعمد إلى إخلاء الثكنات والمباني المعروفة لتجنب الاستهداف الجوي المباشر. هذه التكتيكات تسمح لها بالعودة للظهور وممارسة مهامها بمجرد توقف الغارات، مستفيدة من عدم حاجتها لأسلحة ثقيلة في عمليات ضبط الأمن الداخلي.
وزير الخارجية الإيراني كان قد ألمح في تصريحات سابقة إلى أن الوحدات العسكرية تعمل وفق 'تعليمات عامة مسبقة' تمنحها استقلالية في التحرك. هذا الأسلوب يقلل من تأثير انقطاع الاتصالات مع القيادة المركزية ويضمن استمرار العمليات القتالية والأمنية في مختلف الأقاليم.
ومع تصاعد الهجمات الإيرانية الانتقامية ضد دول الجوار، يبدو أن طهران تراهن على استراتيجية 'النفس الطويل' في مواجهة الخصوم. وتعتقد القيادة الإيرانية أن قدرتها على تحمل المصاعب الاقتصادية والميدانية تفوق قدرة الولايات المتحدة وحلفائها على الاستمرار في حرب مفتوحة.
ختاماً، يحذر المسؤولون من أن النظام الإيراني مصمم للبقاء ولن يتنازل عن سلطته بسهولة مهما بلغت شدة الضغوط الخارجية. إن الرهان الإيراني الحالي يتمثل في إلحاق أكبر قدر من الضرر بالمنطقة لإجبار واشنطن على البحث عن مسار لخفض التصعيد والخروج من دوامة الصراع.





شارك برأيك
واشنطن بوست: هيكلية النظام الإيراني تظهر تماسكاً مفاجئاً رغم الضربات الأمريكية والإسرائيلية العنيفة