تأتي هذه القراءة التحليلية في ظل ظروف إقليمية معقدة، تقع إيران في قلب عواصفها، وسط تصاعد في القوة العسكرية الأمريكية والإسرائيلية التي تتسم بقدر عالٍ من الغرور العسكري. ويركز هذا المنظور على تداعيات أي مواجهة كبرى على الأمن القومي العربي والاستقرار في المنطقة بشكل عام.
إن فرضية هزيمة إيران في أي صراع قادم ستحمل آثاراً سلبية بالغة على التوازن الإقليمي، حيث ستسهل الطريق أمام الاحتلال الإسرائيلي لبسط هيمنته المطلقة. هذا الاستكبار في القوة سيؤدي بالضرورة إلى حالة من الغليان الشعبي والسياسي نتيجة التغول الإسرائيلي غير المسبوق في الشؤون العربية.
تعتبر حركة حماس وحزب الله في مقدمة القوى التي ستتأثر بشكل مباشر ومصيري في حال غياب أو ضعف الدعم الإيراني. وإذا ما تراجعت قدرات حماس، فإن ذلك قد يدفع قوات الاحتلال لتشديد قبضتها، مما يشعل فتيل المقاومة في قطاع غزة مجدداً ويقود الأوضاع نحو مجهول دامٍ.
أما في الساحة اللبنانية، فإن إضعاف حزب الله قد يفتح الباب أمام الحكومة اللبنانية لمحاولة إخضاعه عسكرياً أو سياسياً. هذا السيناريو قد يعيد للأذهان ذكريات الحرب الأهلية الأليمة التي عصفت بالبلاد لعقود، خاصة في ظل الانهيار الاقتصادي الذي يشل مفاصل الدولة حالياً.
من المتوقع أن يرفض حزب الله أي محاولة لتجريده من سلاحه، مما قد يؤدي إلى صراع مسلح داخلي يعيد لبنان عقوداً إلى الوراء. وفي هذا السياق، تبرز مخاوف من تدخلات خارجية مباشرة من قبل الولايات المتحدة أو الاحتلال لدعم أطراف معادية للحزب، مما سيزيد من تعقيد المشهد وتدمير ما تبقى من مؤسسات.
هناك سيناريو آخر يتمثل في احتمال قيام حزب الله بانقلاب عسكري بالتعاون مع عناصر في الجيش اللبناني لفرض السيطرة على البلاد. مثل هذه الخطوة قد تتخذها إسرائيل ذريعة لتدمير بيروت ومدن كبرى أخرى تحت مسمى محاربة المنظمات الإرهابية، مما يفاقم الفقر والفوضى.
بالانتقال إلى اليمن، سيجد أنصار الله أنفسهم في حالة انكفاء داخلي للمحافظة على نفوذهم في صنعاء والمناطق الشمالية. ومع انقطاع الإمدادات الإيرانية، قد تتعرض المنطقة لتدخلات جوية أو برية أمريكية وإسرائيلية تهدف إلى إخضاع العاصمة اليمنية قسرياً وإنهاء الوجود الحوثي.
سقوط إيران أو إضعافها ليس في مصلحة العرب، لأنه سيترك الساحة مفتوحة على مصراعيها للكيان المحتل يعبث بها كيف يشاء.
وفي العراق، تبدو المهمة أكثر تعقيداً بالنسبة لمن يسعى لتفكيك المليشيات المسلحة نظراً لتغلغلها العميق في النسيج الاجتماعي والسياسي. أي محاولة حكومية لإخضاع هذه الفصائل بالقوة قد تجر البلاد إلى حرب أهلية طاحنة أو انقلاب عسكري يقضي على مقدرات الدولة العراقية.
إن نجاح واشنطن وتل أبيب في تحييد الدور الإيراني سيغير الخارطة الجيوسياسية للمنطقة بشكل جذري، حيث سيصل النفوذ الصهيوني إلى عواصم عربية وإسلامية بعيدة. ولم يعد القادة الإسرائيليون يخفون أطماعهم التوسعية التي تتجاوز حدود فلسطين لتشمل دولاً مجاورة تحت شعارات تاريخية مزعومة.
بينما تحاول الإدارة الأمريكية ضبط إيقاع الصراع لمنع تحوله إلى حرب إقليمية شاملة ترفع أسعار الطاقة وتؤثر على الاستقرار الاقتصادي العالمي، يعمل الاحتلال على تمزيق المنطقة. الهدف الإسرائيلي الواضح هو إذلال الشعوب العربية وضمان الهيمنة المطلقة عبر تفتيت القوى الكبرى في الإقليم.
إن سقوط النظام في طهران قد يفتح أبواب الجحيم عبر صراعات عرقية وطائفية داخلية في إيران، وهو ما سيمتد أثره إلى الحدود العراقية والعربية. الفراغ الأمني والسياسي الذي سيخلفه هذا السقوط سيكون من الصعب السيطرة عليه، مما يهدد الأمن القومي العربي بشكل مباشر وغير مسبوق.
على الرغم من هذه السيناريوهات المتشائمة، يظل الاحتمال الأكبر هو بقاء النظام الإيراني مع تعرضه لضعف اقتصادي وسياسي حاد يحتاج لسنوات من التعافي. وقد تتغير هذه المعطيات في حال حدوث تغييرات في الإدارة الأمريكية، مما قد يفتح الباب أمام اتفاقيات دولية جديدة تعيد صياغة العلاقة مع طهران.
في حال تراجع الضغط الإيراني، قد تجد بعض الدول العربية مثل السعودية فرصة للتركيز على مشاريعها التنموية والداخلية. ومع ذلك، يبقى الحذر واجباً من الأطماع الإسرائيلية التي لن تترك المنطقة تستقر، حيث تظل عين الاحتلال على ثروات المنطقة وأراضيها ومجالها الجوي.
في الختام، يجب على صانع القرار العربي أن يدرك أن إضعاف إيران ليس بالضرورة مكسباً استراتيجياً للعرب إذا كان البديل هو التفرد الإسرائيلي. إن المصالح السياسية العليا تقتضي نظرة واقعية تتجاوز الخلافات الطائفية أو الرغبة في الانتقام، لضمان عدم بقاء الساحة العربية مستباحة أمام المشاريع التوسعية.





شارك برأيك
مستقبل الإقليم في 2026: تداعيات إضعاف إيران ومخاطر الهيمنة الإسرائيلية