أقلام وأراء

الأحد 01 مارس 2026 9:42 صباحًا - بتوقيت القدس

قراءتان في "واجم يطهو يوميّاته" و"الفراشة التي تحدّت الركام"


بعد أن أنهيت قراءة مجموعة "واجم يطهو يوميّاته"، لم أستغرب من نفاد طبعتها الأولى في معرض القاهرة الدولي للكتاب. فـ"واجم يطهو يوميّاته" تجربةٌ جماليةٌ وفكرية تضع القارئ في مواجهة صوته الداخلي.
يستخرج الكاتب الكلمات من رماد القلب؛ حيث يتقاطع الألم بالحلم، ويولد النص من صلاةٍ قصيرة على مذبح الزمن، أو من صرخةٍ مكتومة في صدر مدينةٍ نسيت أبناءها. هذه رؤى تُرى وليست ق.ق.ج فحسب.
كلّ ومضة، نجمةٌ تهوي إلى كفّ القارئ. الجسد هنا أرضٌ تتنازع عليها الريح، والرأس سؤالٌ مكسور. وعندما ينسلخ الجسد عن ذاته، لا نتابع حدثًا بقدر ما نحسّ بغربة الإنسان عن بيته ومرآته.
في مشهدية الطبق الذي يمتلىء بضوء القمر بدل الخبز، مفارقةٌ تكشف مجاعة المعنى. أيُّ وطنٍ يحرسه أبناؤه حتى ينسوا أرواحهم؟ الجوع هنا أخلاقيّ وجوديّ، والمدينة كائن يتنفس من أفواه الفقراء، ويصمت في قصور الأغنياء.
أمّا قصة الوثيقة فتغدو سيفًا باسمًا، والقلم خنجرًا، والتوقيع قبرًا يُفتح بابتسامةٍ رسمية. تتبدّل الدلالات حين تُسلب براءتها؛ حيث الحرف قيد، والنافذة مقصلة، والضوء تهمة. إنها إعادة تعريف للعلاقة بين اللغة والسلطة، حيث يتحول الرمز اللغوي إلى أداة قمع.
ومع ذلك، فالعتمة في المجموعة ليست خاتمة بل بداية. ففي قلب السواد جمرة مقاومة؛ تُصادر الهوية وتبقى الكلمات في الشرايين. يسقط الرأس في الساعة الرملية، لكن السؤال يظل حيًّا بين حبّات الزمن. فالموت المؤجّل هنا ليس نهاية إنما انتظار ولادة جديدة.
أسلوب المجموعة يشبه ينبوعًا جبليًا؛ اقتصاد لغوي عميق الصدى. جملةٌ تمشي على لسانٍ من نار، فكلّ كلمةٍ في موضعها كما تُرصّ حجارة معبدٍ قديم. لا إسهاب ولا زخرف، وهذا يقينٌ من الكاتب شقرة بأن الصمت شقيق البلاغة، وأن أقصر الطرق إلى القلب هو الأكثر صفاءً.
إنّ "واجم يطهو يوميّاته" نصٌّ يهمس ولا يصرخ، يضيء ولا يشتعل. يذكّرنا بأن اللغة مهما ضاقت تتسع للروح، وأن القصة القصيرة جدًّا قد تغدو أرحب من رواية؛ تختصر العمر في لحظة، وتكثّف اللحظة في أبد.


"آلاء القطراوي".. سيرة الأم والشاعرة

من رهافة الشاعرة إلى شموخ الخنساء، في لحظةٍ يتكاثف فيها الألم حتى يصير لغةً قائمة بذاتها، تخرج آلاء القطراوي لا بوصفها كاتبةً، بل بوصفها معنى. امرأةٌ فلسطينية جمعت بين رقّة القصيدة وصلابة الصبر، بين بياض الفراشة وسواد الركام، فصاغت من الفقد مقامًا أخلاقيًا، ومن الحزن بيانًا إنسانيًا مفتوحًا على العالم.
في كتابها "فراشتي التي لا تموت" كانت تؤسس لرؤية ترى في التحوّل خلاصًا، وفي الهشاشة قوةً مستترة. الفراشة عندها ليست مجرد استعارة، بل كائن مقاومة؛ تولد من شرنقة العتمة، وتصرّ على الضوء.
غير أن القدر شاء أن يمتحنها في أعمق نقطةٍ من أمومتها. أربعة أطفال (يامن، كِنان، أوركيدا وكرمل) قضوا تحت الأنقاض في الحرب، فغدت الأمّ هي النصّ، وصار الصبر قصيدتها الكبرى. لم تعد أسماؤهم مجرد حروف تُتلى، إنما نجوم صغيرة في سماء ذاكرتها، تناديها كلما كتبت، وترافقها كلما رفرفت فراشتها في فضاء اللغة.
هنا تتبدّل الصورة، من شاعرة رقيقة تمشي على أطراف الكلمات إلى خنساء العصر، تستعيد في ثباتها سيرة الخنساء لكن بروحٍ معاصرة، تعيش الفاجعة أمام عيون العالم. ليست المقارنة هنا مجرد استدعاء تاريخي، بل قراءة في جوهر المعنى؛ امرأةٌ فقدت أبناءها، ولم تفقد إيمانها، ولم ينكسر صوتها، بل ازداد صفاءً وصلابة.
ووسط هذا الامتحان القاسي، يجيء وصولها إلى القائمة القصيرة لفرع "المؤلف الشاب" في جائزة الشيخ زايد للكتاب، التي ينظمها مركز أبوظبي للغة العربية، كاعتراف دولي بصوتها الأدبي وقوة تجربتها الإنسانية. فقد تأهلت بين أكثر من أربعة آلاف مشاركة من ضمن 74 دولة حول العالم، ما يعكس اتساع حضورها الدولي ويمنح ترشيحها وزنًا مضاعفًا ودلالة عميقة.
هذا الإنجاز شهادة على حيوية الكتابة الفلسطينية الشابة، وقدرتها على تحويل الألم إلى معرفة، والتجربة الخاصة إلى أفق إنساني مشترك. آلاء القطراوي لا تكتب لتُبكي، بل لتُحيي المعنى؛ تشيح بوجهها عن المأساة، وترتقي بها إلى مقام الشهادة الأخلاقية.
اليوم هي مثال يُحتذى به لكل نساء فلسطين، ولكل امرأة في العالم تبحث عن صيغة للثبات في زمن الانكسارات. حيث أثبتت أن الفقد ليس ضعفًا، وأن الحزن يمكن أن يتحول إلى طاقة نورانية، وأن الفراشات حتى وإن حاصرتها النيران لا تموت؛ لأنها تسكن الأرواح.
ولهذا، فإن تهنئتنا بوصولها لهذه المحطة المرموقة ليست مجاملة أدبية، إنما اعتراف بقيمة صوتٍ عرف كيف يظل إنسانيًا في أقسى الظروف. هنيئًا لآلاء القطراوي هذا الاستحقاق، وهنيئًا للأدب العربي بامرأة جعلت من صبرها بيانًا، ومن فراشتها وعدًا بأن الحياة، مهما أثقلها الركام فهي قادرة على التحليق من جديد.

دلالات

شارك برأيك

قراءتان في "واجم يطهو يوميّاته" و"الفراشة التي تحدّت الركام"

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.