يطرح كتاب 'البعد الديني في السياسة الأمريكية تجاه الصراع العربي الصهيوني' للباحث والدبلوماسي يوسف الحسن، تساؤلات جوهرية حول طبيعة الاستماتة الأمريكية في الدفاع عن الكيان الصهيوني. ويرى المؤلف أن التفسيرات التقليدية التي تحصر هذا الدعم في المصالح الاستراتيجية أو ضغوط اللوبي الإسرائيلي تظل قاصرة عن فهم العمق العقائدي الذي يحرك النخب الحاكمة في واشنطن.
تتمحور الفرضية الأساسية للكتاب حول دور الحركة المسيحية الأصولية المعاصرة في الولايات المتحدة كركيزة أساسية للمشروع الصهيوني. ويوضح الحسن أن هذه الحركة لا ترى في إسرائيل مجرد حليف سياسي، بل تعتبر وجودها تحقيقاً لنبوءات توراتية مرتبطة بالعودة الثانية للمسيح، مما يجعل الدفاع عنها ضرباً من ضروب العبادة.
يعرف الكتاب الأصولية المسيحية بأنها تيار متشدد يؤمن بالعصمة الحرفية للكتاب المقدس بعهديه القديم والجديد. ويربط هؤلاء بين قيام دولة الاحتلال عام 1948 وبين اقتراب نهاية الزمان، حيث يشترط معتقدهم 'استعادة إسرائيل' كشعب مختار لأرضه الموعودة لتمهيد الطريق لظهور المخلص المنتظر.
أما الإنجيليون، فيصفهم المؤلف بأنهم الكتلة الصلبة التي تؤمن بضرورة القدوم الثاني للمسيح، ويرون في دعم إسرائيل تقرباً للخالق. وتذهب هذه المعتقدات إلى حد اعتبار أي انتقاد للسياسات الإسرائيلية بمثابة 'لعنة' إلهية تصيب المعارضين، مما يفسر الحصانة السياسية التي تتمتع بها إسرائيل في الكونغرس.
يسلط الحسن الضوء على 'الصهيونية المسيحية' كأيديولوجيا عابرة للكنائس البروتستانتية، تروج لحق اليهود التاريخي والديني في فلسطين. ويستشهد بـ 'إعلان بال' الصادر عام 1985، الذي دعا فيه قادة كنائس عالمية اليهود للهجرة إلى فلسطين، معتبرين أن يد الله هي التي جمعت شتاتهم.
يعود الكتاب بجذور هذا الفكر إلى القرن السادس عشر في أوروبا، وتحديداً مع حركة الإصلاح الديني البروتستانتي. فقد أدى قرار الملك هنري الثامن بترجمة التوراة إلى الإنجليزية عام 1538 إلى جعل الثقافة التوراتية جزءاً أصيلاً من الوجدان الشعبي، مما مهد الطريق لصدور وعد بلفور لاحقاً.
انتقلت هذه القناعات مع المستوطنين الأوائل إلى 'العالم الجديد'، حيث اعتبر 'البيوريتانيون' أنفسهم أطفال إسرائيل الفارين من فرعون بريطانيا إلى الأرض الموعودة. وقد وصل التماهي العقائدي إلى حد إطلاق اسم 'كنعان الجديدة' على الولايات المتحدة، وتسمية معالم جغرافية أمريكية بأسماء توراتية قديمة.
إن دعم إسرائيل ليس أمراً اختيارياً مبنياً على أسس أخلاقية أو استراتيجية، بل هو قضاء إلهي في نظر الأصولية الإنجيلية الأمريكية.
يكشف المؤلف كيف استبطنت النخب الأمريكية المؤسسة هذا التاريخ، لدرجة أن الرئيس توماس جيفرسون اقترح رمزاً للدولة يجسد أبناء إسرائيل تقودهم غيمة وعمود من نار. هذا التداخل بين الهوية الأمريكية والقصص العبرية جعل من دعم الصهيونية جزءاً من 'القومية الدينية' للولايات المتحدة منذ نشأتها.
في العصر الحديث، وظفت الصهيونية المسيحية وسائل الإعلام المتطورة لنشر أفكارها عبر ما يسمى بـ 'الكنيسة المرئية'. وتؤكد الإحصائيات التي أوردها الكتاب أن برامج القساوسة الداعمين لإسرائيل، مثل بيلي غراهام، تصل إلى ملايين المشاهدين والمستمعين عبر آلاف المحطات الإذاعية والتلفزيونية حول العالم.
يشير الحسن إلى أن هذا الضخ الإعلامي المستمر خلق قاعدة شعبية واسعة تؤمن بأن حدود إسرائيل يجب أن تمتد من النيل إلى الفرات. وهذا يفسر لماذا لا تتغير السياسة الأمريكية تجاه الصراع بتغير الرؤساء، حيث تظل العقيدة الدينية هي البوصلة الثابتة التي توجه صانع القرار في البيت الأبيض.
يؤكد الكتاب أن الانحياز الأمريكي ليس مجرد 'زلات لسان' أو مواقف عابرة لدبلوماسيين غير محنكين، بل هو تنفيذ لبرنامج عقائدي قديم. فالمسؤول الأمريكي الذي يدعم التوسع الاستيطاني غالباً ما ينطلق من قناعة دينية راسخة بأن هذا التوسع هو إرادة إلهية لا يمكن الوقوف في وجهها.
من خلال تجربته الدبلوماسية، يحلل يوسف الحسن كيف تغلغلت هذه الأفكار في مراكز الأبحاث وصناعة القرار في واشنطن. ويرى أن مواجهة هذا الانحياز تتطلب فهماً عميقاً لهذه الجذور الدينية، بدلاً من المراهنة فقط على تغيير المصالح السياسية أو الاقتصادية التي أثبتت التجربة ثانوية دورها أمام العقيدة.
يختتم المؤلف دراسته بالتأكيد على أن الصهيونية المسيحية نجحت في تحويل قضية فلسطين في المخيال الغربي من قضية شعب يرزح تحت الاحتلال إلى معركة دينية كونية. وهذا التحول هو ما يمنح إسرائيل الغطاء الأخلاقي والقانوني في نظر قطاع واسع من الشارع الأمريكي رغم ارتكابها جرائم إبادة جماعية.
يمثل كتاب 'البعد الديني في السياسة الأمريكية' وثيقة هامة لفهم آليات الهيمنة الفكرية التي تمارسها الأصولية الإنجيلية. ويقدم للقارئ العربي والمختصين في الشؤون الدولية رؤية شاملة حول كيفية تداخل الدين بالسياسة في أكبر قوة عالمية، وكيف ينعكس ذلك على مستقبل الصراع في المنطقة.





شارك برأيك
الجذور العقائدية للانحياز الأمريكي: كيف تحولت 'الصهيونية المسيحية' إلى ركيزة للسياسة الخارجية؟