يواجه المعارضون للمشروع الصهيوني نظاماً يتسم بالعنصرية والدموية، حيث يستمد هذا النظام وحشيته من مكونات مجتمعية تتماهى مع أهدافه الإجرامية. وقد فتحت الأحداث التي تلت عملية طوفان الأقصى الباب واسعاً لتعرية القبح البنيوي لهذا المجتمع الذي يقتات على دماء الفلسطينيين.
تستمر المقتلة في قطاع غزة على مرأى ومسمع من العالم أجمع، في واحدة من أبشع عمليات التطهير العرقي التي سجلها التاريخ الحديث. ورغم فداحة الجرائم، يرى مراقبون أن ردود الفعل الشعبية في المنطقة لم ترقَ لمستوى الحدث نتيجة سياسات القمع التي تمارسها بعض الأنظمة ضد شعوبها.
استباحت قوات الاحتلال كل المحرمات، بدءاً من دماء الأطفال والنساء وصولاً إلى التنكيل بجثامين المقاومين واختطافهم وتشويههم. كما شمل العدوان هدم الملاذات الآمنة، مما دفع بآلاف الغزيين للنزوح القسري المتكرر الذي وصل لبعضهم إلى 19 مرة خلال عامين فقط.
يعكس هذا النزوح المتكرر حجم الخطر المحدق بكل زاوية في القطاع المنهك أصلاً بفعل حصار خانق مستمر منذ نحو عقدين. ولا تقتصر هذه العدوانية على المؤسسة العسكرية فحسب، بل تمتد لتشمل قطاعات واسعة من المستوطنين في الأراضي المحتلة عام 1948.
تتجلى وقاحة الفكر الاستيطاني في شهادات حية، مثل واقعة سرقة منزل عائلة الكرد في حي الشيخ جراح، حيث يبرر السارق فعلته بأن 'شخصاً آخر سيأخذه إن لم يفعل هو'. هذه العقلية تعكس حقيقة الصراع بوصفه صراعاً مع عصابات تمتهن السلب والنهب تحت حماية الدولة.
تتعدد صور الإجرام الميداني لتشمل إحراق الماشية وهي على قيد الحياة، وسرقة ممتلكات الفلسطينيين، وحرق المنازل والمرافق العامة. كما تنتشر النقاط المسلحة للمستوطنين الذين يمارسون إرهاباً منظماً ضد القرى الفلسطينية المجاورة لبؤرهم الاستيطانية.
تتسارع في الآونة الأخيرة عمليات سلب الأراضي والمنازل لإقامة بؤر استيطانية جديدة، مما يؤدي إلى تهجير قرى بأكملها. وتترافق هذه العمليات مع استباحة كرامة الفلسطينيين خلال اقتحامات المخيمات والمدن، في محاولة لكسر إرادة الصمود الشعبي.
إننا أمام كيان لا يعرف سوى العنف والسرقة، والخصال المتأصلة فيه هي خصال الشر والإجرام بحكم الوقائع التاريخية الممتدة.
لم تسلم دور العبادة من التدنيس، حيث يتم تحويل المساجد والكنائس إلى ساحات للرقص الاستفزازي الذي يعبر عن تعطش للدماء لا عن طقوس دينية. وتأتي هذه الأفعال في سياق خطاب تحريضي يقوده وزراء متطرفون في حكومة الاحتلال يتباهون بتعذيب الأسرى.
يحاول قادة الاحتلال، ومن بينهم إيتمار بن غفير، استرداد صورة القوة الزائفة عبر التنكيل بالسجناء العزل وسحق كرامتهم داخل المعتقلات. وتعد هذه التصرفات رد فعل بائس على الانكسار الذي تعرضت له هيبة المنظومة الأمنية الإسرائيلية في الميدان.
تظهر مقاطع مصورة جنوداً يتباهون بقتل الأطفال واغتصاب الفلسطينيين، في انحدار أخلاقي غير مسبوق للمؤسسة العسكرية. كما تتعالى الأصوات داخل الكيان للمطالبة باستخدام السلاح النووي ضد غزة، مما يعكس رغبة في إبادة شاملة لا تستثني أحداً.
يمتد العنف الصهيوني ليطال مكونات الكيان الداخلية، كما حدث في واقعة دعس متطرفين يهود نتيجة خلافات سياسية، أو مطاردة مجندات الجيش. هذا التوحش الداخلي ليس جديداً، بل يعود لسنوات طويلة حين اغتيل إسحاق رابين على يد متطرف يهودي.
يُذكر أن رابين، الذي قاد عصابات صهيونية وشارك في تهجير الفلسطينيين، قُتل لمجرد محاولته إبرام اتفاقيات سياسية محدودة. وكان بنيامين نتنياهو حينها أحد أبرز المحرضين ضد رابين للوصول إلى سدة الحكم عبر استغلال الخطاب المتطرف.
يعيش نتنياهو اليوم في منزل مسروق بمدينة القدس يعود في الأصل للطبيب الفلسطيني توفيق كنعان الذي هُجر عام 1948. هذه الواقعة تلخص جوهر الكيان القائم على اغتصاب حقوق الآخرين وممتلكاتهم التاريخية دون أي وازع قانوني أو أخلاقي.
أمام هذه الحقائق، تبرز أصوات عربية تروج لـ 'التعايش' مع هذه المنظومة تحت مسميات السلام، وهي دعوات تتجاهل طبيعة العدو. إن التمسك بسلاح المقاومة في غزة ولبنان واليمن يمثل ضرورة وجودية لتحقيق الحد الأدنى من الردع أمام كيان لا يفهم إلا لغة القوة.





شارك برأيك
بنية العنف والسرقة: قراءة في وحشية المنظومة الصهيونية بعد طوفان الأقصى