أقلام وأراء

الجمعة 27 فبراير 2026 2:18 مساءً - بتوقيت القدس

بين الدبلوماسية والكهنوت: ازدواجية المعايير في السياسة الدولية وتعيينات 'هاكابي'

تتصاعد التساؤلات الجوهرية حول المعايير المزدوجة التي تحكم السياسة الدولية، خاصة عندما يتعلق الأمر بإسقاط المعتقدات الدينية على المناصب الرسمية. يبرز هذا التناقض بوضوح عند مقارنة قبول النموذج الغربي لتدين مسؤوليه وبين إدانة أي مرجعية دينية في السياقات الإسلامية.

إن تعيين مايك هاكابي في موقع دبلوماسي رفيع لم يكن مجرد إجراء إداري عابر، بل كشف عن عمق الخلفية الإنجيلية التي يحملها وتأثيرها المباشر على قراراته. ومع ذلك، جرى التعامل مع هذه الخلفية كجزء من هوية شخصية مشروعة داخل منظومة مؤسساتية تدعي الفصل بين الدين والدولة.

تكمن المفارقة الكبرى في أن التدين الغربي يُسوق غالباً كقناعة فردية محكومة بضوابط دستورية حديثة، بينما يُصنف التوجه الإسلامي كمشروع رجعي يهدد المدنية. هذا التصنيف لا يستند إلى قيم موضوعية، بل يعكس موازين القوى التي تمنح طرفاً حق تعريف ما هو حضاري.

لم تظهر دعوات دولية جادة تطالب السفير هاكابي بترك معتقداته 'الانجليتلمودية' على عتبة المنصب، رغم أن مواقفه تزيد من تعقيد الاضطرابات في المنطقة. وبدلاً من ذلك، يُسمح له بصب الزيت على النار المشتعلة تحت غطاء الدبلوماسية الرسمية المنحازة.

إن الخطاب الكهنوتي الذي يتبناه بعض السياسيين الغربيين يُطلب من العالم فهمه ضمن سياق التعددية الثقافية، في حين يُفترض مسبقاً أن أي مرجعية إسلامية هي تهديد للتعددية. هذه الازدواجية المقيتة تكشف عن خلل بنيوي يهدد الأمن والسلم الدوليين ويقوض مفهوم العدالة.

وفي سياق متصل بالتحركات الدبلوماسية في المنطقة، شهدت تل أبيب مؤخراً مأدبة إفطار رمضانية أقامها السفير الإماراتي محمد آل خاجة، وحضرها الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ. عكست هذه الفعالية محاولات لترسيخ واقع سياسي جديد يتجاوز الصراعات التقليدية تحت مسمى السلام.

خلال تلك المأدبة، أشاد هرتسوغ بالرئيس الإماراتي محمد بن زايد، واصفاً إياه بأنه أحد أكثر القادة تأثيراً وحكمة في العصر الحالي. واعتبر هرتسوغ أن الإمارات تمثل ركيزة أساسية في اتفاقيات أبراهام ومحوراً للاستقرار في منطقة تعاني من اضطرابات مستمرة.

وندد الرئيس الإسرائيلي بما وصفه بحملات الكراهية والافتراءات التي تشنها بعض الدول ضد مسار السلام الإماراتي الإسرائيلي. وزعم أن هذه التحالفات تهدف إلى بناء مستقبل مشترك، رغم استمرار العمليات العسكرية الإسرائيلية التي تثير انتقادات واسعة في الأراضي الفلسطينية.

إن اجتماع ممثلين عن ديانات مختلفة في مقر السفارة الإماراتية بتل أبيب يُقدم كنموذج للتسامح الديني، لكنه يثير تساؤلات حول توقيت هذه الفعاليات. فبينما تُعقد مآدب الإفطار، تستمر المعاناة الإنسانية في الأراضي المحتلة، مما يبرز فجوة بين الخطاب الدبلوماسي والواقع الميداني.

يرى مراقبون أن هذا الامتزاج بين القيم الدينية والسياسة يُباح فقط عندما يصدر عن القوى المهيمنة أو من يدور في فلكها. أما عندما يحاول الآخرون التمسك بموروثهم القيمي، فإنهم يواجهون اتهامات بالرجعية ومحاولات العزل والاحتواء السياسي.

إن إرث القوة والمعايير الاستعمارية لا يزال يتحكم في صياغة النظام الدولي الحالي، حيث يجتمع الهوس الكهنوتي مع المصالح الاقتصادية الكبرى. هذه الوصفة السياسية لا تؤسس لأمن مستدام، بل تدفع نحو تصادم حضاري محتوم نتيجة غياب مبدأ المساواة.

إذا كان النموذج الغربي يسمح بامتزاج الدين بالسياسة لخدمة مصالحه، فإن إدانة هذا السلوك لدى الآخرين تعبر عن امتياز فج للقوة. المسألة في جوهرها ليست هوية السفير الدينية، بل في غياب صوت العقل والعدالة في التعامل مع القضايا المصيرية للشعوب.

يواجه العالم الإسلامي اليوم تحدياً كبيراً في كيفية تأسيس شرعية سياسية تحترم قيمه وموروثه العريق دون الانزلاق إلى صراعات عبثية. المطلوب هو بناء مؤسسات تضمن الحرية والعدل للجميع، بعيداً عن هيمنة الشخصيات العنصرية التي تفرض رؤيتها الأحادية.

في نهاية المطاف، يبقى السؤال مفتوحاً حول قدرة المجتمع الدولي على تجاوز هذه الازدواجية والوصول إلى تفاهمات تحترم خصوصيات الشعوب. إن العدالة الحقيقية تقتضي الكف عن منح حصانة لهويات معينة وحرمان أخرى من حق التعبير عن ذاتها في الفضاء السياسي.

دلالات

شارك برأيك

بين الدبلوماسية والكهنوت: ازدواجية المعايير في السياسة الدولية وتعيينات 'هاكابي'

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.