واشنطن – سعيد عريقات – 26/2/2026
رفعت اللجنة العربية الأميركية لمكافحة التمييز (ADC)، دعوى قضائية فيدرالية ضد عضو مجلس النواب عن ولاية فلوريدا راندي فاين Randy Fine ، (من الحزب الجمهوري) ، متهمةً إياه بانتهاك الضمانات التي يكفلها التعديل الأول للدستور الأميركي. وجاءت الدعوى، التي قُدّمت بالتعاون مع منظمة "مسلم ليغال Muslim Legal ، على خلفية قيام النائب بحظر المواطن أمجد مسعد من حسابه الرسمي على منصة (X) بعد أن نشر تعليقًا ساخرًا ينتقد فيه بيانًا اعتبره المدعون معاديًا للمسلمين.
وبحسب نص الشكوى، استخدم فاين حسابه الرسمي بوصفه منبرًا عامًا لمخاطبة الناخبين بشأن نشاطه التشريعي ومواقفه السياسية، مع إبقاء خاصية التعليق والتفاعل متاحة للجمهور. غير أن هذا الانفتاح – كما تقول الدعوى – لم يصمد أمام النقد؛ إذ سارع النائب إلى حظر مسعد عقب رده الساخر، ما حرمه من الاطلاع على منشورات الحساب والمشاركة في النقاشات العامة التي فتحها المسؤول ذاته.
الدعوى، المرفوعة أمام المحكمة الفيدرالية في المنطقة الوسطى من فلوريدا، ترتكز إلى مبدأ دستوري مستقر مفاده أن أي مسؤول عام، حين يستخدم منصة رسمية للتواصل حول الشأن العام، لا يملك حق استبعاد الأصوات المعارضة بسبب اختلافها معه في الرأي. وقد سبق للمحكمة العليا الأميركية أن أكدت أن التعديل الأول لا يسمح بإنشاء منتدى عام للنقاش ثم إغلاقه انتقائيًا في وجه منتقدين بعينهم.
وتشير الشكوى إلى أن بيان فاين، وهو صهيوني متطرف، الذي أثار الجدل تضمّن خطابًا تحريضيًا ضد المسلمين، وأن حظر مسعد جاء ردًا مباشرًا على اعتراضه السياسي، لا على مخالفة قواعد استخدام المنصة. وبهذا، ترى اللجنة أن النائب مارس تمييزًا قائمًا على وجهة النظر، وهو أحد أخطر أشكال القيود على حرية التعبير في الفقه الدستوري الأميركي.
وقالت المديرة القانونية الوطنية في اللجنة، جنين يونس، إن القضية تتجاوز شخصًا بعينه، وتمس جوهر العلاقة بين المسؤول المنتخب والجمهور. وأضافت أن من يتولى منصبًا عامًا ويستخدم قنواته الرسمية للترويج لمواقفه، يصبح خاضعًا لرقابة الرأي العام، ولا يحق له "الاحتماء بالمنصب لإقصاء من ينتقده". بدوره، أكد المحامي حسن شبلي من منظمة "مسلم ليغال" أن الدستور لا يسمح بتحويل المنتديات العامة الرسمية إلى "مناطق رقابة" تُدار وفق هوى المسؤول.
أما المحامية ملاك عفانه، من لجنة مكافحة التمييز، فرأت أن المسألة واضحة من الناحية القانونية: لا يجوز لمسؤول حكومي فتح باب النقاش العام ثم إغلاقه في وجه من يختلف معه. واعتبرت أن اقتران الحظر بخطاب وُصف بأنه معادٍ للمسلمين يضفي على القضية بعدًا مدنيًا يتصل بحماية الأقليات من إسكات متعمد.
وتكشف هذه القضية عن التوتر المتصاعد بين حرية التعبير وحدود السلطة في العصر الرقمي. فوسائل التواصل الاجتماعي لم تعد ساحات شخصية للمسؤولين، بل امتدادًا لمكاتبهم العامة. وعندما يُستخدم الحساب الرسمي لعرض سياسات أو مواقف تشريعية، فإنه يكتسب صفة "المنتدى العام" بكل ما يترتب عليها من التزامات دستورية. من هنا، فإن أي تمييز قائم على الرأي لا يُعد مجرد إجراء تقني، بل سابقة تمس جوهر التعددية السياسية وحق المواطنين في مساءلة ممثليهم بلا خوف أو إقصاء.
الأهمية الأوسع للدعوى تكمن في بعدها المجتمعي. فالقضية لا تتعلق بحق فرد في التعليق فحسب، بل برسالة تُوجَّه إلى الأقليات العرقية والدينية حول موقعها في المجال العام. حين يشعر أفراد هذه المجتمعات أن نقدهم قد يؤدي إلى إسكاتهم، تتآكل الثقة بالمؤسسات الديمقراطية. لذلك، فإن حسم المسألة قضائيًا يعيد التأكيد على أن الحماية الدستورية تشمل الجميع دون تمييز، وأن المنصب العام يفرض قدرًا أعلى من التحمل والانفتاح تجاه النقد، لا العكس.
وتأتي هذه الدعوى ضمن مسار طويل من عمل اللجنة الأميركية العربية لمكافحة التمييز، التي تأسست عام 1980 على يد السيناتور السابق جيمس أبو رزق، وتُعد أكبر منظمة شعبية عربية أميركية في الولايات المتحدة. وتؤكد اللجنة أن دفاعها عن مسعد يندرج في إطار رسالتها الأوسع لحماية الحقوق المدنية لما يناهز 3.7 مليون أميركي عربي، وتعزيز الفهم العام للتاريخ والثقافة العربية، وبناء شراكات مع مجتمعات مهمشة دعمًا للعدالة الاجتماعية.
وبينما ينتظر المراقبون ما ستقرره المحكمة، تضع هذه القضية حدودًا فاصلة بين الحق في إدارة الحسابات الشخصية، والواجب الدستوري الذي يلازم المسؤول حين يتحدث بصفته الرسمية. فحرية التعبير، كما يؤكد التعديل الأول، ليست امتيازًا يُمنح على أساس الرضا، بل حق أصيل يشمل حتى أكثر الآراء إزعاجًا للسلطة.





شارك برأيك
لجنة مكافحة التمييز الأميركية العربية تقاضي النائب راندي فاين لانتهاكه التعديل الأول للدستور الأميركي