أقلام وأراء

الأربعاء 25 فبراير 2026 12:19 صباحًا - بتوقيت القدس

مستقبل الظاهرة الإسلامية: بين مطرقة التجريم وتحديات المراجعة الثورية

تواجه الظاهرة الإسلامية في الوقت الراهن ذروة محاولات التهميش والتشويه الممنهج، والتي انتقلت من الحيز السياسي إلى مربع التجريم القانوني والتلفيق القضائي. وقد أدت هذه العمليات المتراكمة إلى استدعاء نماذج من الانقلابات العسكرية والنزاعات الداخلية في الدول التي شهدت حراكاً ثورياً، بهدف محاصرة طموحات الشعوب في التغيير.

استطاعت القوى المناوئة للثورات تنسيق جهودها في فعل جماعي لم يكتفِ بإجهاد الحركات الاحتجاجية، بل سعى جدياً لإجهاضها بالكامل. ورغم هذا الحصار، لا تزال الموجهات الاحتجاجية تعبر عن أشواق الشعوب وآمالها في التحول الديمقراطي، مما يخلق حالة من التنازع المستمر بين معسكري التغيير والجمود.

إن شروط التغيير القادم تفرض ضرورة استيعاب الدروس المستفادة بعيداً عن التفكير بالأماني أو الرغبات الذاتية. ويتطلب ذلك إعداداً فعلياً يستند إلى سنن التدافع الاجتماعي وفهم مداخل الفاعلية والتأثير في الواقع السياسي المعقد، وهو ما يستوجب مشروعاً بحثياً متكاملاً يدرس مفاصل هذه الظاهرة.

يبرز مفهوم «الإسلام السياسي» كأحد أكثر القضايا جدلاً، خاصة فيما يتعلق بموقف الإسلاميين من الثورات العربية المتصاعدة. وقد أثر هذا الجدل بشكل مباشر على دور هذه الحركات في الفترات الانتقالية، حيث واجهت تحديات الاستقطاب الحاد ومطالب التوافق السياسي الصعبة.

تعتبر قضية الحكم المختبر الحقيقي للحركات الإسلامية، حيث وضعت أفكارها وتصوراتها النظرية تحت مجهر التطبيق العملي. وبعد نيلها ثقة الجماهير في صناديق الاقتراع، وجدت هذه الحركات نفسها في مواجهة مباشرة مع قوى الدولة العميقة والتحالفات المضادة التي استغلت كل ثغرة للانقضاض على التجربة.

لم تعد العلاقة بين التيار الإسلامي والديمقراطية مجرد ترف فكري أو نقاش في أروقة الجامعات، بل تحولت إلى مسألة اجتماعية مباشرة. وتكشف التجربة أن معظم القوى السياسية، وليس الإسلاميين وحدهم، لم تكن بمستوى الجاهزية المطلوب لمقتضيات التحول الديمقراطي، مما فاقم من حدة الانقسامات.

يعيش الإسلاميون اليوم تحت وطأة اتهامات قاسية وصلت إلى حد الشيطنة والتجريم المطلق بعد عقد من الزمان على انطلاق الثورات. هذا المناخ أدى إلى تشتت الكوادر بين المنافي والسجون، وتحول دور الحركات من الفعل السياسي إلى محاولة الحفاظ على الكيان والبقاء على قيد الحياة.

ساهمت النخب العلمانية وبعض النظم السلطوية في تأجيج خطاب الكراهية، مما خلق بيئة مقيدة للحركات الإسلامية قانونياً وواقعياً. وقد استغلت الثورات المضادة هذا الاستقطاب لتمرير الانقلابات العسكرية، مستفيدة من دعم إقليمي ودولي يتغذى على ظاهرة «الإسلاموفوبيا».

يمثل النموذج المصري بعد أحداث يوليو محطة فارقة في استراتيجية صناعة الكراهية وتلفيق الاتهامات ضد التيار الإسلامي. حيث استُخدمت الآلة الإعلامية والأمنية لتسويغ الاعتقالات والمطاردات والاغتيالات خارج إطار القانون، تحت مسمى محاربة «أهل الشر».

أمام هذا الواقع المرير، تبرز أهمية المراجعات والنقد الذاتي كضرورة حيوية ليس للإسلاميين فحسب، بل لكل القوى الثورية. إن مراجعة أداء النخبة خلال سنوات الحراك تعد الخطوة الأولى نحو تجاوز حالة التشرذم والوصول إلى استراتيجية توافق سياسي تحمي المكتسبات الشعبية.

تعاني الحركات الإسلامية من تصدعات وانشقاقات داخلية نتيجة الضغوط الخارجية وعمليات تشويه الصورة الذهنية الممنهجة. لذا، فإن إعادة بناء الثقة مع القواعد الشعبية وفهم التحديات بدقة واجبة يعد شرطاً أساسياً لاستعادة الفاعلية في المشهد السياسي المستقبلي.

إن دراسة مستقبل المشروع الإسلامي تتطلب فك الارتباط مع الذاكرة السلبية للعلاقة مع الدولة والسلطة. ويجب على هذه الحركات تقديم أدوار جديدة تضمن حماية كياناتها من التصدع، وفي الوقت ذاته تبني جسور الثقة مع المجتمعات التي تنتمي إليها.

يظهر جيل الشباب داخل الحركات الإسلامية كعنصر حاسم، حيث يبدي تحفظات جوهرية على أداء القيادات التقليدية في ميادين الثورة. هذا الجيل يتطلع إلى تشكيل نخب جديدة قادرة على استعادة المسار الإحيائي والاستعداد لموجات التغيير القادمة برؤية أكثر حداثة وواقعية.

في الختام، تظل «مشاتل التغيير» بحاجة إلى رعاية فكرية ومنهاجية تتجاوز الأخطاء المتكررة في المواقف والسياسات. إن القدرة على التفاعل مع الحالة الثورية بمرونة وفاعلية هي ما سيحدد مآلات الظاهرة الإسلامية وقدرتها على قيادة الأمة نحو مستقبل أكثر حرية وكرامة.

دلالات

شارك برأيك

مستقبل الظاهرة الإسلامية: بين مطرقة التجريم وتحديات المراجعة الثورية

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.