عربي ودولي

الثّلاثاء 24 فبراير 2026 12:16 مساءً - بتوقيت القدس

ترمب بين الدبلوماسية والمواجهة: خطاب الكونغرس يضع إيران في صلب الاختبار


واشنطن – سعيد عريقات-24/2/2026

تحليل إخباري

يستعد الرئيس الأميركي دونالد ترمب لإلقاء خطابه الأول عن "حال الاتحاد" في ولايته الثانية أمام جلسة مشتركة للكونغرس، بغرفتيه النواب والشيوخ، يوم الثلاثاء، في محطة سياسية مفصلية يُتوقع أن يحدّد فيها ملامح أولويات إدارته للسنوات المقبلة. وبحسب مؤشرات صادرة عن البيت الأبيض ومداولات داخل واشنطن، فإن المواجهة المحتملة مع إيران ستحتل موقعاً متقدماً في كلمته، في ظل تزايد الحديث عن مفترق طرق بين تسوية دبلوماسية أخيرة وتصعيد عسكري واسع، علما بأن التركيز في خطاب حالة الإتحاد يركز تقليديا على الأوضاع الداخلية، خاصة الوضع الاقتصادي.

واستبق ترمب خطابه بالردّ الحازم على تقارير إعلامية تحدّثت عن تحفّظات داخل المؤسسة العسكرية بشأن خيار الحرب. ونفى بشكل قاطع ما أوردته تسريبات عن أن رئيس هيئة الأركان، الجنرال دانيال كين، حذّره من عواقب شن حملة مطوّلة ضد إيران. وكتب على منصته "تروث سوشيال" أن ما يجري تداوله “أخبار كاذبة”، مؤكداً أن هذه الروايات "لا تستند إلى مصادر حقيقية".

وقال ترمب إن الجنرال كين، "مثلنا جميعاً، لا يرغب في الحرب، ولكن إذا اتُخذ قرار بمواجهة إيران عسكرياً، فهو يرى أن النصر سيكون سهلاً”. وأضاف أن كين "مقاتل عظيم يمثل أقوى جيش في العالم"، نافياً أن يكون قد تحدّث عن رفض استهداف إيران أو التحذير من ضربات محدودة، ومشدداً على أن القائد العسكري "يعرف شيئاً واحداً، وهو كيفية تحقيق النصر".

غير أن صحيفة وول ستريت جورنال كانت قد نقلت أن كين حذّر من أن استمرار أي صراع واسع قد يُكبّد القوات الأميركية ومخزونات الذخيرة خسائر فادحة، في وقت نشر فيه موقع آكسيوس تقريراً مماثلاً عن نقاشات مغلقة عبّر فيها القائد العسكري عن مخاوف من انزلاق غير محسوب. هذا التباين بين الروايتين يعكس حساسية المرحلة، حيث تتداخل الحسابات العسكرية مع الاعتبارات السياسية والانتخابية.

في المقابل، استبق زعيم الأقلية الديمقراطية في مجلس النواب حكيم جيفريز خطاب ترمب بتحذير واضح من الانزلاق إلى حرب جديدة في الشرق الأوسط. وقال إن الولايات المتحدة لا تريد بدء حرب مع إيران، مشدداً على أن ما يحتاجه الأميركيون اليوم هو إنعاش اقتصادهم المتراجع، لا خوض مغامرة عسكرية خارجية مفتوحة الكلفة والآفاق. وذكّر بأن الدستور يمنح الكونغرس وحده صلاحية إعلان الحروب، داعياً الرئيس إلى عرض حججه أمام السلطة التشريعية والحصول على تفويض صريح قبل الإقدام على أي عمل عسكري.

هذا السجال الداخلي يتزامن مع تحرك دبلوماسي حذر في أوروبا. فمن المتوقع أن يجتمع مفاوضون أميركيون وإيرانيون في جنيف يوم الخميس لبحث مقترح إيراني مفصل بشأن اتفاق نووي جديد. وأكد مسؤول أميركي رفيع أن إدارة ترمب تتوقع تسلم المسودة الإيرانية قبل الاجتماع، تمهيداً لبدء مفاوضات تفصيلية، مع احتمال بحث اتفاق مؤقت يجمّد بعض الأنشطة الحساسة مقابل تخفيف محدود للعقوبات.

وفي هذا السياق، قال وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي في مقابلة مع برنامج "واجه الأمة" يوم الأحد على شبكة سي.بي.إس إنه يتوقع لقاء مبعوثي ترمب في جنيف، مشيراً إلى أن المقترح لا يزال قيد الإعداد ولم يحظَ بعد بتوقيع نهائي من القيادة السياسية في طهران. وأضاف أن الجانبين قد يعملان على صياغة نص يفضي إلى "اتفاق سريع"، إذا توافرت الإرادة السياسية الكافية.

وتكتسب هذه الجولة أهمية استثنائية، إذ يرى مسؤولون أميركيون أنها قد تمثل الفرصة الدبلوماسية الأخيرة قبل أن يتخذ ترمب قراراً بالتصعيد، ربما بالتنسيق مع إسرائيل، في حال فشل المسار التفاوضي. ويشير بعض التقديرات إلى أن أي عملية عسكرية محتملة قد تتجاوز الضربات المحدودة لتطال بنى تحتية إستراتيجية، ما يفتح الباب أمام ردود إيرانية إقليمية قد توسّع رقعة المواجهة.

وتعكس المواجهة الحالية بين البيت الأبيض والديمقراطيين انقساماً أعمق حول دور الولايات المتحدة في العالم. فبينما يميل ترمب إلى توظيف التهديد العسكري كورقة ضغط تفاوضية لتعزيز موقعه التفاوضي، يخشى خصومه من أن يتحول التصعيد اللفظي إلى التزام ميداني يصعب احتواؤه. التجربة الأميركية في العراق وأفغانستان لا تزال حاضرة في الذاكرة السياسية، ما يجعل أي حديث عن "حرب سهلة" محفوفاً بتشكيك مؤسسي وشعبي واسع، خصوصاً في ظل ضغوط اقتصادية داخلية وتحديات على صعيد التضخم وسلاسل الإمداد.

في المقابل، تستخدم طهران عامل الوقت والمرونة التكتيكية لانتزاع تنازلات، مدركة أن ترمب يفضّل إعلان “صفقة سريعة” يمكن تسويقها كإنجاز سياسي على خوض حرب مكلفة وطويلة. غير أن رفع سقف التهديد من الجانبين قد يقيّد هامش المناورة، إذ إن أي حادث أمني في الخليج أو خطأ في الحسابات قد يدفع نحو تصعيد غير مقصود. وعليه، فإن خطاب ترمب أمام الكونغرس لن يكون مجرد عرض سياسي تقليدي، بل رسالة إستراتيجية للأسواق والحلفاء والخصوم حول اتجاه البوصلة الأميركية: هل تمضي واشنطن نحو صفقة جديدة مع طهران، أم تقترب من مواجهة قد تعيد رسم خرائط التوتر في الشرق الأوسط؟

دلالات

شارك برأيك

ترمب بين الدبلوماسية والمواجهة: خطاب الكونغرس يضع إيران في صلب الاختبار

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.